10 - بَاب الدُّعَاءِ إِذَا انْتَبَهَ من اللَّيْلِ
6316 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ سَلَمَةَ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : بِتُّ عِنْدَ مَيْمُونَةَ ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَى حَاجَتَهُ ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ، ثُمَّ نَامَ ، ثُمَّ قَامَ فَأَتَى الْقِرْبَةَ ، فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا بَيْنَ وُضُوءَيْنِ ، لَمْ يُكْثِرْ وَقَدْ أَبْلَغَ فَصَلَّى ، فَقُمْتُ فَتَمَطَّيْتُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَرَى أَنِّي كُنْتُ أَتَّقِيهِ ، فَتَوَضَّأْتُ فَقَامَ يُصَلِّي ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ ، فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ ، فَتَتَامَّتْ صَلَاتُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، ثُمَّ اضْطَجَعَ ، فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ فَآذَنَهُ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ، وَكَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ : اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا وَفِي سَمْعِي نُورًا وَعَنْ يَمِينِي نُورًا وَعَنْ يَسَارِي نُورًا وَفَوْقِي نُورًا وَتَحْتِي نُورًا وَخَلْفِي نُورًا وَاجْعَلْ لِي نُورًا .
قَالَ كُرَيْبٌ : وَسَبْعٌ فِي التَّابُوتِ فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ ، فَحَدَّثَنِي بِهِنَّ فَذَكَرَ عَصَبِي وَلَحْمِي وَدَمِي وَشَعَرِي وَبَشَرِي ، وَذَكَرَ خَصْلَتَيْنِ .


قَوْلُهُ : بَابُ الدُّعَاءِ إِذَا انْتَبَهَ مِنَ اللَّيْلِ ، رِوَايَةُ الْكُشْمِيهَنِيِّ " بِاللَّيْلِ " وَوَقَعَ عِنْدَهُمْ فِي أَوَّلِ التَّهَجُّدِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ بِالْعَكْسِ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . الأول :
قَوْلُهُ عَنْ سُفْيَانَ هُوَ الثَّوْرِيُّ ، وَسَلَمَةُ هُوَ ابْنُ كُهَيْلٍ .
قَوْلُهُ : بِتُّ عِنْدَ مَيْمُونَةَ ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مَضْمُومًا إِلَى مَا فِي ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ فِي أَوَّلِ أَبْوَابِ الْوِتْرِ دُونَ مَا فِي آخِرِهِ مِنَ الدُّعَاءِ ، فَأَحَلْتُ بِهِ عَلَى مَا هُنَا وَقَوْلُهُ فِيهِ : " فَغَسَلَ وَجْهَهُ " كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ " غَسَلَ " بِغَيْرِ فَاءٍ ، وَقَوْلُهُ : " شِنَاقَهَا " بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ ثُمَّ قَافٍ هُوَ رِبَاطُ الْقِرْبَةِ يَشُدُّ عُنُقُهَا فَشُبِّهَ بِمَا يُشْنَقُ بِهِ ، وَقِيلَ : هُوَ مَا تُعَلَّقَ بِهِ وَرَجَّحَ أَبُو عُبَيْدٍ الْأَوَّلَ .
قَوْلُهُ : وُضُوءًا بَيْنَ وُضُوءَيْنِ قَدْ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ " لَمْ يُكْثِرْ وَقَدْ أَبْلَغَ " وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَلَّلَ مِنَ الْمَاءِ مَعَ التَّثْلِيثِ ، أَوِ اقْتَصَرَ عَلَى دُونِ الثَّلَاثِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، عَنْ سَلَمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ " وُضُوءًا حَسَنًا " وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورِ بْنِ مُعْتَمِرٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أَبِيهِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ " وَإِلَى جَانِبِهِ مِخْضَبٌ مِنْ بِرَامٍ مُطْبَقٌ عَلَيْهِ سِوَاكٌ فَاسْتَنَّ بِهِ ثُمَّ تَوَضَّأَ " .
قَوْلُهُ : ( أَتَّقِيه ) بِمُثَنَّاةٍ ثَقِيلَةٍ وَقَافٍ مَكْسُورَةٍ ، كَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَطَائِفَةٍ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَيْ أَرْتَقِبُهُ وَفِي رِوَايَةٍ بِتَخْفِيفِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مِنَ التَّنْقِيبِ وَهُوَ التَّفْتِيشُ وَفِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ " أَبْغِيهِ " بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ أَيْ أَطْلُبُهُ وَلِلْأَكْثَرِ " أَرْقُبُهُ " وَهِيَ أَوْجَهٌ .
قَوْلُهُ : فَتَتَامَّتْ بِمُثَنَّاتَيْنِ أَيْ تَكَامَلَتْ ، وَهِيَ رِوَايَةُ شُعْبَةَ ، عَنْ سَلَمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ .
قَوْلُهُ : فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ ، فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ثُمَّ نَامَ حَتَّى نَفَخَ وَكُنَّا نَعْرِفهُ إِذَا نَامَ بِنَفْخِهِ " .
قَوْلُهُ : وَكَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ ، فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ دُعَاءَهُ حِينَئِذٍ كَانَ كَثِيرًا وَكَانَ هَذَا مِنْ جُمْلَتِهِ ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ قَوْلَهُ : اللَّهُمَّ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ . إِلَخْ " وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، عَنْ سَلَمَةَ " فَكَانَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ وَسُجُودِهِ " وَسَأَذْكُرُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ زِيَادَةً فِي هَذَا الدُّعَاءِ طَوِيلَةً ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ الذِّكْرُ الْآتِي فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي أَوَّلُ مَا قَامَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ ، وَقَالَ : هَذَا [11/121] الدُّعَاءَ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ ذَاهِبٌ إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَأَفَادَ أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَّ تَفْرِيقَهُمَا صَنِيعُ الرُّوَاةِ ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ الَّتِي سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي " الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ " مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يُصَلِّي فَقَضَى صَلَاتَهُ يُثْنِي عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، ثُمَّ يَكُونُ آخِرُ كَلَامِهِ : اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا الْحَدِيثَ " وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَ الْقُرْبِ مِنْ فَرَاغِهِ .
قَوْلُهُ : اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا ، إِلَخْ . قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : التَّنْوِينُ فِيهَا لِلتَّعْظِيمِ أَيْ نُورًا عَظِيمًا ، كَذَا قَالَ ، وَقَدِ اقْتَصَرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى ذِكْرِ الْقَلْبِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْجِهَاتِ السِّتِّ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ " وَاجْعَلْ لِي نُورًا . وَلِمُسْلِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَاشِمٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ بِسَنَدِ حَدِيثِ الْبَابِ " وَعَظِّمْ لِي نُورًا " بِتَشْدِيدِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَلَأَبِي يَعْلَى ، عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَعْظِمْ لِي نُورًا " أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ بُنْدَارٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ . وَكَذَا لِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حُذَيْفَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، عَنْ سَلَمَةَ " وَاجْعَلْ لِي نُورًا " أَوْ قَالَ " وَاجْعَلْنِي نُورًا " هَذِهِ رِوَايَةُ غُنْدَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، وَفِي رِوَايَةِ النَّضْرِ ، عَنْ شُعْبَةَ " وَاجْعَلْنِي " وَلَمْ يَشُكَّ وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي الدُّعَاءِ مِنْ طَرِيقِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ فِي آخِرِهِ : وَاجْعَلْ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ نُورًا "
قَوْلُهُ قَالَ كُرَيْبٌ : وَسَبْعٌ فِي التَّابُوتِ قُلْتُ حَاصِلُ مَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَشَرَةٌ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ " فَدَعَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً حَدَّثَنِيهَا كُرَيْبٌ ، فَحَفِظْتُ مِنْهَا ثِنْتَيْ عَشْرَةَ وَنَسِيتُ مَا بَقِيَ " فَذَكَرَ مَا فِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ هَذِهِ وَزَادَ " وَفِي لِسَانِي نُورًا " بَعْدَ قَوْلِهِ : فِي قَلْبِي " وَقَالَ فِي آخِرِهِ " وَاجْعَلْ لِي فِي نَفْسِي نُورًا وَأَعْظِمْ لِي نُورًا " وَهَاتَانِ ثِنْتَانِ مِنَ السَّبْعِ الَّتِي ذَكَرَ كُرَيْبٌ أَنَّهَا فِي التَّابُوتِ مِمَّا حَدَّثَهُ بَعْضُ وَلَدِ الْعَبَّاسِ .
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مُرَادِهِ بِقَوْلِهِ التَّابُوتُ ، فَجَزَمَ الدِّمْيَاطِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الصَّدْرُ الَّذِي هُوَ وِعَاءُ الْقَلْبِ ، وَسَبَقَ ابْنُ بَطَّالٍ ، وَالدَّاوُدِيُّ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّابُوتِ الصَّدْرُ ، وَزَادَ ابْنُ بَطَّالٍ : كَمَا يُقَالُ لِمَنْ يَحْفَظُ الْعِلْمَ عِلْمُهُ فِي التَّابُوتِ مُسْتَوْدَعٌ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ : الْمُرَادُ بِالتَّابُوتِ الْأَضْلَاعُ ، وَمَا تَحْوِيهِ مِنَ الْقَلْبِ وَغَيْرِهِ تَشْبِيهًا بِالتَّابُوتِ الَّذِي يُحْرَزُ فِيهِ الْمَتَاعُ يَعْنِي سَبْعَ كَلِمَاتٍ فِي قَلْبِي ، وَلَكِنْ نَسِيتُهَا ، قَالَ : وَقِيلَ الْمُرَادُ سَبْعَةُ أَنْوَارٍ كَانَتْ مَكْتُوبَةً فِي التَّابُوتِ الَّذِي كَانَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِيهِ السَّكِينَةُ ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : يُرِيدُ بِالتَّابُوتِ الصُّنْدُوقَ أَيْ سَبْعٌ مَكْتُوبَةٌ فِي صُنْدُوقٍ عِنْدَهُ لَمْ يَحْفَظْهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ .
قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حُذَيْفَةَ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ بِسَنَدِ حَدِيثِ الْبَابِ " قَالَ كُرَيْبٌ : وَسِتَّةٌ عِنْدِي مَكْتُوبَاتٌ فِي التَّابُوتِ " وَجَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ فِي " الْمُفْهِمِ " وَغَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّابُوتِ الْجَسَدُ أَيْ أَنَّ السَّبْعَ الْمَذْكُورَةَ تَتَعَلَّقُ بِجَسَدِ الْإِنْسَانِ بِخِلَافِ أَكْثَرِ مَا تَقَدَّمَ ، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعَانِي كَالْجِهَاتِ السِّتِّ ، وَإِنْ كَانَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ مِنَ الْجَسَدِ ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ " فِي التَّابُوتِ " أَيْ فِي صَحِيفَةٍ فِي تَابُوتٍ عِنْدَ بَعْضِ وَلَدِ الْعَبَّاسِ ، قَالَ : وَالْخَصْلَتَانِ الْعَظْمُ وَالْمُخُّ ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : لَعَلَّهُمَا الشَّحْمُ وَالْعَظْمُ ، كَذَا قَالَا وَفِيهِ نَظَرٌ سَأُوَضِّحُهُ .
قَوْلُهُ : فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَيْسَ كُرَيْبٌ هُوَ الْقَائِلَ " فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ " وَإِنَّمَا قَالَهُ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ الرَّاوِي عَنْ كُرَيْبٍ . قُلْتُ : هُوَ مُحْتَمَلٌ وَظَاهِرُ رِوَايَةِ أَبِي حُذَيْفَةَ أَنَّ الْقَائِلَ هُوَ كُرَيْبٌ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَقَدْ وَجَدْتُ الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ مُطَوَّلًا ، وَظَهَرَتْ مِنْهُ مَعْرِفَةُ الْخَصْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ نَسِيَهُمَا ، فَإِنَّ فِيهِ : اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي عِظَامِي نُورًا وَفِي قَبْرِي نُورًا .
[11/122] قُلْتُ : بَلِ الْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا اللِّسَانُ ، وَالنَّفْسُ ، وَهُمَا اللَّذَانِ زَادَهُمَا عُقَيْلٌ فِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَهُمَا مِنْ جُمْلَةِ الْجَسَدِ وَيَنْطَبِقُ عَلَيْهِ التَّأْوِيلُ الْأَخِيرُ لِلتَّابُوتِ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ فِي " الْمُفْهِمِ " وَلَا يُنَافِيهِ مَا عَدَاهُ وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ " سَمِعْتُ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةً حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ . فَسَاقَ الدُّعَاءَ بِطُولِهِ ، وَفِيهِ : اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي نُورًا فِي قَبْرِي ثُمَّ ذَكَرَ الْقَلْبَ ثُمَّ الْجِهَاتِ السِّتَّ وَالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ ثُمَّ الشَّعْرَ وَالْبَشَرَ ثُمَّ اللَّحْمَ وَالدَّمَ وَالْعِظَامَ ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ : اللَّهُمَّ عَظِّمْ لِي نُورًا وَأَعْطِنِي نُورًا وَاجْعَلْنِي نُورًا . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : غَرِيبٌ . وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ ، وَسُفْيَانُ ، عَنْ سَلَمَةَ ، عَنْ كُرَيْبٍ بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَمْ يَذْكُرُوهُ بِطُولِهِ انْتَهَى .
وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ فِي آخِرِهِ " وَزِدْنِي نُورًا ، قَالَهَا ثَلَاثًا " وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي عَاصِمٍ فِي كِتَابِ الدُّعَاءِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ كُرَيْبٍ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ " وَهَبْ لِي نُورًا عَلَى نُورٍ " وَيَجْتَمِعُ مِنِ اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ خَصْلَةً .
قَوْلُهُ : فَذَكَرَ عَصَبِي بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبَعْدَهُمَا مُوَحَّدَةٌ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : هِيَ أَطْنَابُ الْمَفَاصِلِ . وَقَوْلُهُ : " وَبَشَرِي " بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمُعْجَمَةِ ظَاهِرُ الْجَسَدِ .
قَوْلُهُ : وَذَكَرَ خَصْلَتَيْنِ أَيْ تَكْمِلَةَ السَّبْعَةِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هَذِهِ الْأَنْوَارُ الَّتِي دَعَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا فَيَكُونُ سَأَلَ اللَّهَ - تَعَالَى - أَنْ يَجْعَلَ لَهُ فِي كُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ نُورًا يَسْتَضِيءُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي تِلْكَ الظُّلَمِ هُوَ وَمَنْ تَبِعَهُ أَوْ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْهُمْ قَالَ : وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ هِيَ مُسْتَعَارَةٌ لِلْعِلْمِ وَالْهِدَايَةِ ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى - فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ وَقَوْلُهُ : - تَعَالَى - وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ثُمَّ قَالَ : وَالتَّحْقِيقُ فِي مَعْنَاهُ أَنَّ النُّورَ مُظْهِرٌ مَا نُسِبَ إِلَيْهِ ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِهِ فَنُورُ السَّمْعِ مُظْهِرٌ لِلْمَسْمُوعَاتِ وَنُورُ الْبَصَرِ كَاشِفٌ لِلْمُبْصَرَاتِ وَنُورُ الْقَلْبِ كَاشِفٌ عَنِ الْمَعْلُومَاتِ ، وَنُورُ الْجَوَارِحِ مَا يَبْدُو عَلَيْهَا مِنْ أَعْمَالِ الطَّاعَاتِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : مَعْنَى طَلَبِ النُّورِ لِلْأَعْضَاءِ عُضْوًا عُضْوًا أَنْ يَتَحَلَّى بِأَنْوَارِ الْمَعْرِفَةِ وَالطَّاعَاتِ وَيَتَعَرَّى عَمَّا عَدَاهُمَا ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تُحِيطُ بِالْجِهَاتِ السِّتِّ بِالْوَسَاوِسِ فَكَانَ التَّخَلُّصُ مِنْهَا بِالْأَنْوَارِ السَّادَّةِ لِتِلْكَ الْجِهَاتِ ، قَالَ : وَكُلُّ هَذِهِ الْأُمُورِ رَاجِعَةٌ إِلَى الْهِدَايَةِ وَالْبَيَانِ وَضِيَاءِ الْحَقِّ وَإِلَى ذَلِكَ يُرْشِدُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ - إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ انْتَهَى مُلَخَّصًا .
وَكَانَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ مَا لَا يَلِيقُ بِالْمَقَامِ فَحَذَفْتُهُ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْضًا : خَصَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْقَلْبَ بِلَفْظِ " لِي " لِأَنَّ الْقَلْبَ مَقَرُّ الْفِكْرَةِ فِي آلَاءِ اللَّهِ وَالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ مَسَارِحُ آيَاتِ اللَّهِ الْمَصُونَةِ . قَالَ : وَخَصَّ الْيَمِينَ وَالشِّمَالَ بِعَنْ إِيذَانًا بِتَجَاوُزِ الْأَنْوَارِ عَنْ قَلْبِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ إِلَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ أَتْبَاعِهِ ، وَعَبَّرَ عَنْ بَقِيَّةِ الْجِهَاتِ بِمَنْ يَشْمَلُ اسْتِنَارَتَهُ وَإِنَارَتَهُ مِنَ اللَّهِ وَالْخَلْقِ ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ : " وَاجْعَلْ لِي نُورًا " هِيَ فَذْلَكَةٌ لِذَلِكَ ، وَتَأْكِيدٌ لَهُ .