9 - بَاب ذَهَابِ الصَّالِحِينَ ، وَيُقَالُ : الذِّهَابُ الْمَطَرُ .
6434 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ بَيَانٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ مِرْدَاسٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ ، الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ ، وَيَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوْ التَّمْرِ ، لَا يُبَالِيهِمْ اللَّهُ بَالَةً .
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : يُقَالُ حُفَالَةٌ وَحُثَالَةٌ .


قَوْلُهُ ( بَابُ ذَهَابِ الصَّالِحِينَ ) أَيْ مَوْتُهُمْ .
قَوْلُهُ ( وَيُقَالُ الذَّهَابُ الْمَطَرُ ) ثَبَتَ هَذَا فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ وَحْدَهُ ، وَمُرَادُهُ أَنَّ لَفْظَ الذَّهَابِ مُشْتَرَكٌ عَلَى الْمُضِيِّ وَعَلَى الْمَطَرِ . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ : الذَّهَابُ الْأَمْطَارُ اللَّيِّنَةُ وَهُوَ جَمْعُ ذِهْبَةٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ .
قَوْلُهُ ( حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ ) هُوَ مِنْ قُدَمَاءِ مَشَايِخِهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ .
قَوْلُهُ ( عَنْ بَيَانٍ ) بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ خَفِيفَةٍ وَهُوَ ابْنُ بِشْرٍ ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ، وَمِرْدَاسٌ الْأَسْلَمِيُّ هُوَ ابْنُ مَالِكٍ ، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ عِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ ، عَنْ بَيَانٍ ، وَتَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَيِ الَّذِينَ بَايَعُوا بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ ، وَذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي الْوُحْدَانِ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ صَنَّفَ فِيهَا أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، وَوَقَعَ فِي " التَّهْذِيبِ لِلْمِزِّيِّ " فِي تَرْجَمَةِ مِرْدَاسٍ هَذَا أَنَّهُ رَوَى عَنْهُ زِيَادُ بْنُ عَلَاقَةَ أَيْضًا ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مِرْدَاسٌ آخَرُ أَفْرَدَهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ فِي الصَّحَابَةِ عَنْ مِرْدَاسِ بْنِ مَالِكٍ وَقَالَ : إِنَّهُ مِرْدَاسُ بْنُ غَرْوَةَ . وَمِمَّنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْبُخَارِيُّ ، وَالرَّازِيُّ ، وَالْبُسْتِيُّ وَرَجَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ .
قَوْلُهُ ( يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ غِيَاثٍ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ " يُقْبَضُ " بَدَلَ يَذْهَبُ ، وَالْمُرَادُ قَبْضُ أَرْوَاحِهِمْ ، وَعِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ خَالِدٍ الطَّحَّانِ ، عَنْ بَيَانٍ : يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ أَسْلَافًا وَيُقْبَضُ الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ . وَالثَّانِيَةُ تَفْسِيرٌ لِلْأُولَى .
قَوْلُهُ ( وَيَبْقَى حُثَالَةٌ أَوْ حُفَالَةٌ ) هُوَ شَكٌّ هَلْ هِيَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ أَوْ بِالْفَاءِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فِي الْحَالَيْنِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ " حُثَالَةٌ " بِالْمُثَلَّثَةِ جَزْمًا .
قَوْلُهُ ( كَحُثَالَةِ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ ) يَحْتَمِلُ الشَّكَّ وَيَحْتَمِلُ التَّنْوِيعَ ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ " كَحُثَالَةِ [11/257] الشَّعِيرِ " فَقَطْ ، وَفِي رِوَايَةٍ : " حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مِثْلُ حُثَالَةِ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ " ، زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ مِنْ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ الْبُخَارِيُّ حُثَالَةٌ وَحُفَالَةٌ ؛ يَعْنِي أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْحُثَالَةُ بِالْفَاءِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ الرَّدِيءُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَقِيلَ : آخِرُ مَا يَبْقَى مِنَ الشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَأَرْدَؤُهُ ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : الْحُثَالَةُ سَقَطُ النَّاسِ ، وَأَصْلُهَا مَا يَتَسَاقَطُ مِنْ قُشُورِ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ وَغَيْرِهِمَا ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَا يَسْقُطُ مِنَ الشَّعِيرِ عِنْدَ الْغَرْبَلَةِ ، وَيَبْقَى مِنَ التَّمْرِ بَعْدَ الْأَكْلِ ، وَوَجَدْتُ لِهَذَا الْحَدِيثِ شَاهِدًا مِنْ رِوَايَةِ الْفَزَارِيَّةِ امْرَأَةِ عُمَرَ بِلَفْظِ : " تَذْهَبُونَ الْخَيِّرُ فَالْخَيِّرُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْكُمْ إِلَّا حُثَالَةٌ كَحُثَالَةِ التَّمْرِ ، يَنْزُو بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ نَزْوَ الْمَعْزِ " ، أَخْرَجَهُ أَبُو سَعِيدِ بْنُ يُونُسَ فِي " تَارِيخِ مِصْرَ " ، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِرَفْعِهِ لَكِنْ لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ .
قَوْلُهُ : ( لَا يُبَالِيهِمُ اللَّهُ بَالَةً ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَيْ لَا يَرْفَعُ لَهُمْ قَدْرًا ، وَلَا يُقِيمُ لَهُمْ وَزْنًا ، يُقَالُ : بَالَيْتُ بِفُلَانٍ وَمَا بَالَيْتُ بِهِ مُبَالَاةً وَبَالِيَةً وَبَالَةً ، وَقَالَ غَيْرُهُ : أَصْلُ بَالَةٍ بَالِيَةٍ فَحُذِفَتِ الْيَاءُ تَخْفِيفًا ، وَتُعُقِّبَ قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ بِأَنَّ بَالِيَةً لَيْسَ مَصْدَرًا لِبَالَيْتُ ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْمُ مَصْدَرِهِ ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ : سَمِعْتُهُ فِي الْوَقْفِ بَالَةً ، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ هُوَ فِي الدَّرْجِ ، وَالْأَصْلُ بَالَيْتُهُ بَالَاةً فَكَأَنَّ الْأَلِفَ حُذِفَتْ فِي الْوَقْفِ كَذَا قَالَ ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ فِي مَصْدَرِهِ بَالَاةً . قَالَ : وَلَوْ عَلِمَ الْقَابِسِيُّ مَا نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ بَالَةً مَصْدَرٌ مُصَارٌ لَمَا احْتَاجَ إِلَى هَذَا التَّكَلُّفِ .
قُلْتُ : تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ ، عَنْ بَيَانٍ بِلَفْظِ : " لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِمْ شَيْئًا " ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ : " لَا يُبَالِي اللَّهُ عَنْهُمْ " ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ خَالِدٍ الطَّحَّانِ ، وَ" عَنْ " هُنَا بِمَعْنَى الْبَاءِ ، يُقَالُ : مَا بَالَيْتُ بِهِ وَمَا بَلَيْتُ عَنْهُ ، وَقَوْلُهُ : يَعْبَأُ بِالْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مَهْمُوزٌ ، أَيْ لَا يُبَالِي ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْعِبْءِ بِالْكَسْرِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ مَهْمُوزٌ ، وَهُوَ الثِّقَلُ ، فَكَأَنَّ مَعْنَى لَا يَعْبَأُ بِهِ أَنَّهُ لَا وَزْنَ لَهُ عِنْدَهُ ، وَوَقَعَ فِي آخِرِ حَدِيثِ الْفَزَارِيَّةِ الْمَذْكُورِ آنِفًا : " عَلَى أُولَئِكَ تَقُومُ السَّاعَةُ " ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِي الْحَدِيثِ أَنَّ مَوْتَ الصَّالِحِينَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ . وَفِيهِ النَّدْبُ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِأَهْلِ الْخَيْرِ ، وَالتَّحْذِيرُ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَصِيرَ مَنْ خَالَفَهُمْ مِمَّنْ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ .
وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ انْقِرَاضُ أَهْلِ الْخَيْرِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا أَهْلُ الشَّرِّ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ خُلُوِّ الْأَرْضِ مِنْ عَالِمٍ حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا أَهْلُ الْجَهْلِ صِرْفًا ، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْآتِي فِي الْفِتَنِ : " حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا " ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( تَنْبِيه ) : وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ هُنَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : حُفَالَةٌ وَحُثَالَةٌ ، أَيْ أَنَّهَا رُوِيَتْ بِالْفَاءِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ ، وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ .
[11/258]