[3/343] 36 - باب
من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت.
596 - ثنا معاذ بن فضالة : ثنا هشام ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن جابر ، أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس ، فجعل يسب كفار قريش ، فقال : يا رسول الله ، ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب . قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( والله ما صليتها ) ، فقمنا إلى بطحان ، فتوضأ للصلاة ، وتوضأنا لها [فصلى العصر] بعدما غربت الشمس ، ثم صلى بعدها المغرب
.

تأخير النبي - صلى الله عليه وسلم - العصر حتى غربت الشمس يوم الخندق لم يكن عن نوم بغير خلاف ، وإنما اختلف .
وقد أشار البخاري في ( أبواب الخوف ) إلى أنه كان اشتغالا بالعدو .
ويعضده : حديث علي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ) - الحديث .
وسيأتي ذلك مبسوطا في موضعه - إن شاء الله .
وفي حديث جابر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب .
ولم يصرح فيه بأنه صلى بهم جماعة ، لكن قوله : ( فتوضأ للصلاة ، وتوضأنا لها ) مما يدل على أنه صلاها جماعة .
وقد خرجه الإسماعيلي في ( صحيحه ) ، ولفظه : ( فصلى بنا العصر ) - [3/344] وذكر باقيه .
وهذا تصريح بالجماعة .
[و] في حديث نومهم عن صلاة الفجر ، أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى الفجر بأصحابه جماعة .
وأكثر العلماء على مشروعية الجماعة للفوائت .
فمن قال : إن صلاة الجماعة سنة ، فهي عنده سنة للحاضرة والفائتة .
ومن قال : صلاة الجماعة فرض - كما هو ظاهر مذهب الإمام أحمد - فاختلف أصحابنا : هل الجماعة واجبة ، أو لا ؟ على وجهين .
وممن قال بأن الجماعة مشروعة للفوائت : مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم .
وحكي عن الليث بن سعد : أن قضاء الفائتة فرادى أفضل .
وترده هذه الأحاديث الصحيحة .
وفي الحديث : دليل على اتساع وقت المغرب ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه قاموا بعد غروب الشمس ، فنزلوا إلى بطحان ، فتوضئوا ، ثم صلوا العصر قبل المغرب ، ثم صلوا المغرب ، فلو كان وقت المغرب مضيقا لكان قد وقعت صلاة العصر في وقت المغرب ، ولم يكن فرغوا منها حتى فات وقت المغرب ، فتكون صلاة المغرب حينئذ مقضية بعد وقتها .
ويرجع الكلام في ذلك إلى من كان عليه صلاة فائتة ، وقد ضاق وقت الصلاة الحاضرة عن فعل الصلاتين ، فأكثر العلماء على أنه يبدأ بالحاضرة فيما بقي من وقتها ، ثم يقضي الفائتة بعدها ؛ لئلا تصير الصلاتان فائتتين ، وهو قول الحسن وابن المسيب وربيعة والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة ، وأحمد في ظاهر مذهبه ، وإسحاق وطائفة من أصحاب مالك .
[3/345] وهؤلاء أوجبوا الترتيب ، ثم أسقطوه بخشية فوات الحاضرة .
وكذلك قال الشافعي ، فإنه لا يوجب الترتيب ، إنما يستحبه ، فأسقط هاهنا استحبابه وجوازه ، وقال : يلزمه أن يبدأ بالحاضرة ، ويأثم بتركه .
وقالت طائفة : بل يبدأ بالفائتة ، ولا يسقط الترتيب بذلك ، وهو قول عطاء والنخعي والزهري ومالك والليث والحسن بن حي .
وهو رواية عن أحمد ، اختارها الخلال وصاحبه أبو بكر .
وأنكر ثبوتها القاضي أبو يعلى ، وذكر أن أحمد رجع عنها .