باب الصبر عن محارم الله .

أي : هذا باب في بيان الاجتهاد في الصبر عن محارم الله ، أي : محرماته ، قاله الكرماني . قلت : المحارم جمع محرمة ، بفتح الميمين وجاء بضم الراء أيضا ، قال الجوهري : الحرمة ما لا يحل انتهاكه ، وكذلك المحرمة بفتح الراء وضمها ، والصبر : حبس النفس ، وتارة يستعمل بكلمة عن كما في المعاصي ، يقال : صبر عن الزنا ، وتارة بكلمة على كما في الطاعات يقال : صبر على الصلاة ، ونحو ذلك .
وقوله عز وجل : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ

" وقوله " بالجر ، عطف على قوله " الصبر عن محارم الله " هذا في رواية أبي ذر هكذا ، بلفظ " قوله " وليس في رواية غيره لفظ قوله ، وفي بعض النسخ " وقوله عز وجل " وهذا أحسن ، ولفظ " الصَّابِرُونَ " يحتمل أن يستعمل بعن وبعلى ، لما ذكرنا آنفا أن استعماله بالوجهين ، وأراد بقوله : " بِغَيْرِ حِسَابٍ " المبالغة بالنسبة إلينا .
وقال عمر : وجدنا خير عيشنا بالصبر .

أي : قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قوله : " بالصبر " كذا ، هو بالباء الموحدة ، وفي رواية الكشميهني بحذف الباء ، فيكون منصوبا بنزع الخافض ، وقال بعضهم : والأصل في الصبر ، والباء بمعنى في . قلت : لا يحتاج إلى هذا ، والباء على حالها للإلصاق ، أي : وجدنا ملتصقا بالصبر ، ويجوز أن تكون للاستعانة ، وهذا الأثر رواه أحمد في كتاب الزهد بسند صحيح عن مجاهد ، قال عمر رضي الله تعالى عنه : " وجدنا خير عيشنا الصبر " .
57 - حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، قال : أخبرني عطاء بن يزيد ، أن أبا سعيد [23/68] أخبره ، أن أناسا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسأله أحد منهم إلا أعطاه ، حتى نفد ما عنده ، فقال لهم حين نفد كل شيء أنفق بيديه : ما يكن عندي من خير لا أدخره عنكم ، وإنه من يستعف يعفه الله ومن يتصبر يصبره الله ومن يستغن يغنه الله ، ولن تعطوا عطاء خيرا وأوسع من الصبر .

مطابقته للترجمة في آخر الحديث . وأبو اليمان : الحكم بن نافع ، وروايته عن شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن مسلم الزهري في البخاري كثيرة ، وأبو سعيد : سعد بن مالك الخدري . والحديث مضى في الزكاة عن قتيبة ، وأخرجه مسلم والنسائي أيضا عن قتيبة ، ومضى الكلام فيه .
قوله : " أن أناسا " ويروى " أن ناسا " والمعنى واحد ، قوله : " حتى نفد " بفتح النون وكسر الفاء ، أي : فرغ . قوله : " أنفق بيديه " جملة حالية أو اعتراضية أو استئنافية ، ويروى " بيده " بالإفراد . قوله : " ما يكن " ، كلمة " ما " إما موصولة وإما شرطية ، ويروى " ما يكون " وصوب الدمياطي الأول . قوله : " لا أدخره " بالإدغام وبغيره ، وفي رواية مالك " فلم أدخره " وعنه " فلن أدخره " وداله مهملة وقيل معجمة . قوله : " وإنه من يستعف " كذا في رواية الأكثرين بتشديد الفاء ، وفي رواية الكشميهني " من يستعفف " من الاستعفاف ، وهو طلب العفة ، وهي الكف عن الحرام والسؤال من الناس . قوله : " يعفه الله " بضم الياء وبتشديد الفاء المفتوحة ، أي : يرزقه العفاف . قوله : " ومن يتصبر " أي : ومن يتكلف الصبر يصبره الله ، بضم الياء وتشديد الباء المكسورة ، أي : يرزقه الله الصبر . قوله : " ومن يستغن " أي : ومن يظهر الغناء ولم يسأل ، يغنه ، بضم الياء من الإغناء ، أي : يرزقه الغنى عن الناس ، ووقع في رواية عبد الرحمن بن أبي سعيد بدل التصبر " ومن استكفى كفاه الله " وزاد " ومن سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف " . قوله : " ولن تعطوا " على صيغة المجهول بالخطاب للجمع . قوله : " عطاء خيرا " بالنصب ، كذا في هذه الرواية ووقع في رواية مالك " هو خير " بالرفع وفي رواية مسلم " عطاء خير " والتقدير : هو خير ، وقال النووي : كذا في نسخ مسلم ، يعني بالرفع ، والتقدير : هو خير ، كما قلنا .