68 - حدثنا موسى ، حدثنا معتمر سمعت أبي ، حدثنا قتادة ، عن عقبة بن عبد الغافر ، عن أبي سعيد رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا فيمن كان سلف أو قبلكم ، آتاه الله مالا وولدا - يعني أعطاه مالا وولدا - قال : فلما حضر قال لبنيه : أي أب كنت لكم ؟ قالوا : خير أب . قال : فإنه لم يبتئر عند الله خيرا - فسرها قتادة لم يدخر - وإن يقدم على الله يعذبه ، فانظروا فإذا مت فأحرقوني حتى إذا صرت فحما فاسحقوني - أو قال : فاسهكوني - ثم إذا كان ريح عاصف فأذروني فيها . فأخذ مواثيقهم على ذلك ، وربي ففعلوا ، فقال الله : كن ، فإذا رجل قائم ، ثم قال : أي عبدي ، ما حملك على ما فعلت ؟ قال : مخافتك - أو فرق منك - فما تلافاه أن رحمه الله ، فحدثت أبا عثمان فقال : سمعت سلمان غير أنه زاد : فأذروني في البحر ، أو كما حدث .

مطابقته للترجمة في قوله : " مخافتك " . وموسى : هو ابن إسماعيل التبوذكي ، ومعتمر : يروي عن أبيه سليمان التيمي ، وعقبة : بضم العين وسكون القاف ، ابن عبد الغافر أبو نهار الأزدي العوذي البصري ، وأبو سعيد : سعد بن مالك الخدري رضي الله تعالى عنه .
[23/74] والحديث مر في ذكر بني إسرائيل عن أبي الوليد ، ويحيى في التوحيد عن عبد الله بن أبي الأسود ، وأخرجه مسلم في التوبة عن عبيد الله بن معاذ وغيره .
قوله : " أو قبلكم " شك من الراوي . قوله : " يعني أعطاه مالا " هذا تفسير لقوله " آتاه الله " ، وهو بالمد بمعنى أعطاه وبالقصر بمعنى المجيء . قوله : " مالا " بعد قوله " أعطاه " رواية الكشميهني ، ولا معنى لإعادة لفظ " مالا " ، وفي رواية غيره " أعطاه " بلا ذكر مالا . قوله : " فلما حضر " بضم الحاء وكسر الضاد المعجمة ، أي : فلما حضره أوان الموت . قوله : " خير أب " بالنصب ، أي : كنت خير أب ، وبالرفع أي : أنت خير أب . قوله : " لم يبتئر " من الابتئار ، افتعال من البأر ، بالباء الموحدة والراء ، ومعناه : لم يدخر ولم يخبأ ، هكذا فسره قتادة ، وأصله من البئيرة بمعنى الذخيرة والخبيئة ، قال أهل اللغة : بأرت الشيء وابتأرته إبارة ، وابتئره إذا خبأته ، ووقع في رواية ابن السكن " لم يأبتر " بتقديم الهمزة على الباء الموحدة ، حكاه عياض ، ومعناه : لم يقدم خيرا ، يقال بأرته وابتأرته ، كما ذكرناه ، ووقع في التوحيد في رواية أبي زيد المروزي " لم يبتئر أو لم يبتئز " بالشك في الزاي أو الراء ، وفي رواية الجرجاني بنون بدل الباء الموحدة والزاي ، قيل : كلاهما غير صحيح ، ويروى في غير البخاري " يبتهر " بالهاء بدل الهمزة وبالراء ، ويمتئر بالميم بدل الباء الموحدة وبالراء .
قوله : " وإن يقدم على الله يعذبه " كذا هنا بسكون القاف وفتح الدال من القدوم ، وهو بالجزم على الشرطية ، وكذا " يعذبه " بالجزم ؛ لأنه جزاء ، والمعنى أنه إن بعث يوم القيامة على هيئته يعرفه كل أحد ، فإذا صار رمادا مبثوثا في الماء أو الريح لعله يخفى ، ووقع في حديث حذيفة عند الإسماعيلي من رواية أبي خيثمة عن جرير بسند حديث الباب " فإنه إن يقدر علي ربي لا يغفر لي " وكذا في حديث أبي هريرة " لئن قدر الله علي " قيل : كيف غفر لهذا الذي أوصى بهذه الوصية وقد جهل قدرة الله على إحيائه ؟ وأجيب بأن الناس اختلفوا في تأويل هذا الحديث فقيل : أما عفو الله عما كان منه في أيام صحته من المعاصي فلندمه عليها وتوبته منها عند موته ، ولذلك أمر ولده بإحراقه وتذريته في البر والبحر خشية من عذاب ربه ، والندم توبة ، قلت : فيه نظر ، لأن كون الندم توبة إنما هو لهذه الأمة ، ألا يرى ما حكى الله عن قابيل بقوله : فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ فلم يكن ندمه توبة ، وقيل : إن معنى قوله " إن قدر الله علي " : القدرة التي هي العجز ، وإنه كان عنده أنه إذا أحرق وذري أعجز ربه عن إحيائه ، فهو على أنه غفر له لجهله بالقدرة ؛ لأنه لم يكن تقدم في ذلك الزمان أنه لا يغفر الشرك به ، وليس في العقل دليل على أن ذلك غير جائز في حكمة الله تعالى ، وإنما نقول : لا يجوز أن يغفر الشرك بعد نزول قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وأما جواز غفران الله ذلك فلفضله الأعم وغنائه الأتم ، لأنه لا يضره كفر كافر ، ولا ينفعه إيمان مؤمن . وقيل : معنى " إن قدر الله علي " : إن ضيق علي ، كقوله تعالى : وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أي : ضيق ، ولم يرد بذلك وصف خالقه بالعجز عن إعادته . وقيل : إنما غفر له لأنه غلب على فهمه من الجزع الذي كان لحقه من خوف الله وعذابه فيعذر ، ومثل هذا إنما يكون كفرا ممن يقصد به الكفر ، وهو يعقل ما يقول . وقيل : غفر له بأصل توحيده الذي لا تضر معه معصية ، وعزي ذلك إلى المرجئة .
قوله : " فأحرقوني " وفي رواية حذيفة الذي أخرجه البخاري في بني إسرائيل " فاجمعوا لي حطبا كثيرا ، ثم أوروا نارا حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فخذوها واطحنوها " . قوله : " فاسحقوني " من السحق ، وهو دق الشيء ناعما ، أو قال " فاسهكوني " شك من الراوي من السهك قالوا : السحق والسهك ، بمعنى واحد ، وقيل : السهك دونه ، وهو أن يفت الشيء أو يدق قطعا صغارا . قوله : " فاذروني " يصح أن يقرأ موصول الألف من ذرأت الشيء فرقته ، ويصح أن يكون أصله من الثلاثي المزيد فيه فيقطع الهمزة من قولهم : أذرت العين دمعها وأذريت الرجل عن فرسه أي رميته . وقال ابن التين : قرأناه بقطع الهمزة . قوله : " فأخذ مواثيقهم " جمع ميثاق ، وهو العهد . قوله : " وربي " هو على القسم عن المخبر بذلك عنهم لتصحيح خبره ، ويحتمل أن يكون حكاية الميثاق الذي أخذه ، أي : قال لمن أوصاه قل : وربي لأفعلن ذلك . وفي صحيح مسلم " فأخذ منهم ميثاقا ففعلوا ذلك وربي " ، قال القاضي عياض : وفي بعض نسخه " ففعلوا ذلك وذري " قال : فإن صحت هذه الرواية فهي وجه الكلام ، ولعل الذال سقطت لبعض النساخ وتابعه الباقون . وقال الكرماني : ولفظ البخاري يحتمل أن يكون بصيغة الماضي من التربية ، أي : ربي أخذ المواثيق والمبايعات ، لكنه موقوف على الرواية ، وقال بعضهم : وأبعد الكرماني ، ثم نقل ذلك عنه ، قلت : ما جزم بذلك حتى يقال فيه : وأبعد ، وإنما قيد بصحة الرواية [23/75] مع الاحتمال الذي ذكره . قوله : " فإذا رجل قائم " وقع المبتدأ هنا نكرة لأن وقوعه هنا بعد إذا المفاجأة من المخصصات ، كما في قولك : خرجت فإذا سبع . قوله : " أي عبدي " يعني : يا عبدي . قوله : " أو فرق " هو شك من الراوي ، وهو بفتح الفاء والراء وبالقاف الخوف . قوله : " فما تلافاه أن رحمه " ، كلمة " ما " موصولة ، وكلمة " أن " مصدرية ، أي : الذي تلافاه ، أي : تداركه ، بأن رحمه أي : بالرحمة ، والضمير المنصوب في تلافاه يرجع إلى عمل الرجل ، ويجوز أن يكون ما نافية ، وكلمة الاستثناء محذوفة على مذهب من يجوز حذفها ، أي : ما تلافاه إلا أن رحمه .
قوله : " فحدثت أبا عثمان " قال الكرماني : القائل بحدثت قتادة ، وقال بعضهم : هو سليمان والد المعتمر . قلت : الذي يظهر أن قول الكرماني هو الصواب ، فلينظر فيه ، وأبو عثمان : هو عبد الرحمن بن مل النهدي ، بالنون المفتوحة . قوله : " فقال " أي : أبو عثمان " سمعت هذا من سلمان " أي : الفارسي ، وحذف المسموع منه الذي استثنى منه ما ذكر ، والتقدير : سمعت سلمان يحدث عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بمثل هذا الحديث ، غير أنه زاد قوله : " أو كما حدث " شك من الراوي ، يشير به إلى أنه معنى حديث أبي سعيد لا بلفظه كله .