[3/375] 39 - باب
ما يكره من السمر بعد العشاء


( السامر ) : من السمر ، والجمع : السمار ، والسامر هاهنا في موضع الجمع .
( السمر ) : هو التحدث بالليل ، وقوله تعالى : مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا هو من السمر ، ومعناه هنا : الجمع - أي : سمارا .
فسمار جمع ، وسامر يكون مفردا ، وقد يراد به الجمع كما في الآية .
599 - حدثنا مسدد : ثنا يحيى : ثنا عوف : ثنا أبو المنهال ، قال : انطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي ، فقال له : حدثنا ، كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي المكتوبة ؟ قال : كان يصلي الهجير - وهي التي تدعونها الأولى - حين تدحض الشمس ، ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى أهله في أقصى المدينة والشمس حية ، ونسيت ما قال في المغرب . قال : وكان يستحب أن يؤخر العشاء . قال : وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها ، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف أحدنا جليسه ، ويقرأ من الستين إلى المائة .

قد سبق هذا في مواضع ، وشرح ما فيه من مواقيت الصلاة ، وذكر النوم قبل العشاء ، ولم يبق من أحكامه غير ذكر الحديث بعد العشاء ، وهو السمر .
وفي هذا الحديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكرهه ، وقد ذكرنا فيما سبق حديث عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما نام قبل العشاء ولا سمر بعدها .
وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث عطاء بن السائب ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود ، قال : جدب لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السمر بعد العشاء .
[3/376] ومعنى ( جدبه ) : عابه وذمه - : قاله أبو عبيد وغيره .
ووهم من قال : أباحه لهم ، كالطحاوي ، وهو مخالف لما قاله أهل اللغة .
وهذا الحديث وهم عطاء بن السائب في إسناده ؛ فقد رواه الأعمش ومنصور وأبو حصين ، عن أبي وائل ، عن سلمان بن ربيعة ، قال : جدب لنا عمر السمر .
وخالفهم عطاء بن السائب وعاصم ، فقالا : عن أبي وائل ، عن ابن مسعود ، ثم اختلفا ، فرفعه عطاء ، ووقفه عاصم ، ووهما في ذلك .
والصحيح : قول منصور والأعمش - : قاله أبو بكر الأثرم .

وذكر مسلم نحوه في ( كتاب التمييز ) ، وزاد : أن المغيرة رواه عن أبي وائل ، عن حذيفة - من قوله .
قال : ولم يرفعه إلا عطاء بن السائب .
وأشار إلى أن رواية الأعمش وحبيب بن أبي ثابت وأبي حصين ، عن أبي وائل ، عن سلمان ، عن عمر هي الصحيحة ؛ لأنهم أحفظ وأولى بحسن الضبط للحديث
.
وقد رويت كراهة السمر بعد العشاء عن عمر وحذيفة وعائشة وغيرهم .
ثم منهم من علل بخشية الامتناع من قيام الليل ، روي ذلك عن عمر .
ومنهم من علل بأن الصلاة ينبغي أن تكون خاتمة الأعمال ، فيستحب النوم عقيبها ، حتى ينام على ذكر ، ولا ينام على لغو .
وروي عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كان يسمر ما لم يوتر ، فجعل الختم [3/377] بالوتر يقوم مقام الختم بالصلاة المكتوبة .
وكانت عائشة تقول لمن يسمر : أريحوا كتابكم .
تعني : الملائكة الكاتبين .
ومتى كان السمر بلغو ورفث وهجاء فإنه مكروه بغير شك .
وفي ( مسند الإمام أحمد ) من حديث شداد بن أوس - مرفوعا - : ( من قرض بيت شعر بعد عشاء الآخرة لم يقبل له صلاة تلك الليلة ) .