149 - حدثنا مسدد ، حدثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يجمع الله الناس يوم القيامة فيقولون : لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا ، فيأتون آدم فيقولون : أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك ، فاشفع لنا عند ربنا ، فيقول : لست هناكم ، ويذكر خطيئته ، ويقول : ائتوا نوحا ، أول رسول بعثه الله ، فيأتونه فيقول : لست هناكم ويذكر خطيئته ، ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا ، فيأتونه فيقول : لست هناكم ، ويذكر خطيئته ، ائتوا موسى الذي كلمه الله ، فيأتونه ، فيقول : لست هناكم ، فيذكر خطيئته ، ائتوا عيسى ، فيأتونه فيقول : لست هناكم ، ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم ، فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فيأتوني ، فأستأذن على ربي ، فإذا رأيته وقعت ساجدا ، فيدعني ما شاء الله ثم يقال لي : ارفع رأسك سل تعطه ، وقل يسمع واشفع تشفع ، فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمني ثم أشفع فيحد لي حدا ثم أخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ، ثم أعود فأقع ساجدا مثله في الثالثة أو الرابعة ، حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن ، وكان قتادة يقول عند هذا : أي وجب عليه الخلود .

مطابقته للترجمة يمكن أن تؤخذ من قوله : " ثم أخرجهم من النار " بالوجه الذي ذكرناه عند التراجم الماضية . وأبو عوانة : بفتح العين المهملة وتخفيف الواو ، اسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري . والحديث مضى في أول تفسير سورة البقرة ، ولكنه أخرجه عن مسلم بن إبراهيم عن هشام عن قتادة عن أنس ، وعن خليفة عن يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة عن أنس ، وقال الكرماني : مر - يعني حديث الباب - في بني إسرائيل . قلت : الذي مر في سورة بني إسرائيل عن أبي هريرة وليس عن أنس ، وهو حديث طويل .
قوله : " يجمع الله الناس " في رواية المستملي " جمع الله " أي : في العرصات ، وفي حديث أبي هريرة الماضي " يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد " وفي رواية هشام وسعيد وهمام " يجمع المؤمنين " . قوله : " لو استشفعنا " جزاؤه محذوف ، أو هو للتمني فلا يحتاج إلى جواب ، وفي رواية مسلم " فيلهمون بذلك " وفي رواية " فيهتمون بذلك " وفي رواية همام " حتى يهتموا بذلك " . قوله : " على ربنا " في رواية هشام وسعيد " إلى ربنا " ، وضمن على هنا معنى الاستعانة ، أي : لو استعنا على ربنا . قوله : " حتى يريحنا " بضم الياء من الإراحة بالراء والحاء المهملة ، أي : يخرجنا من الموقف وأهواله وأحواله ، ويفصل بين العباد . قوله : " فيأتون آدم عليه السلام " وفي رواية شيبان " فينطلقون حتى يأتوا آدم عليه السلام " . قوله : " عند ربنا " في رواية مسلم " عند ربك " . قوله : " لست هناكم " أي : ليس هذه المرتبة ، وقال عياض : قوله " لست هناكم " كناية عن أن منزلته دون المنزلة المطلوبة ، قاله تواضعا وإكبارا لما يسألونه ، قال : وقد يكون فيه إشارة إلى أن هذا المقام ليس لي بل لغيري ، ووقع في رواية معبد بن هلال " فيقول لست لها " وكذا [23/127] في بقية المواضع ، وفي رواية حذيفة " لست بصاحب ذاك " . قوله : " ويذكر خطيئته " زاد مسلم " التي أصاب " وزاد همام في روايته " أكله من الشجرة وقد نهي عنها " وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما " قد أخرجت بخطيئتي من الجنة " وفي رواية أبي نضرة عن أبي سعيد " وإني أذنبت ذنبا فأهبطت به إلى الأرض " وفي رواية ثابت عند سعيد بن منصور " إني أخطأت وأنا في الفردوس ، وإن يغفر لي اليوم فحسبي " . قوله : " أول رسول بعثه الله " قيل : آدم عليه السلام أول الرسل لا نوح ، وكذا شيث وإدريس ، وهما قبل نوح عليه السلام ، وأجاب الكرماني بأنه مختلف فيه ، ويحتمل أن يقال المراد : هو أول رسول أنذر قومه الهلاك ، أو أول رسول له قوم ، انتهى . قلت : في كل من الأجوبة الثلاثة نظر ، أما الأول : فلأن آدم عليه السلام رسول قد أرسل إلى أولاد قابيل ، ونزل عليه إحدى وعشرون صحيفة أملأها عليه جبريل عليه السلام وكتبها بخطه بالسريانية ، وفرض عليه في اليوم والليلة خمسون ركعة ، وحرم عليه الميتة والدم ولحم الخنزير والبغي والظلم والغدر والكذب والزنا ، وأما الثاني : فإن آدم أيضا أنذر أولاده مما فيه الهلاك وأوصى بذلك عند موته ، وأما الثالث : فلأن آدم أيضا له قوم ، وعن ابن عباس : إن آدم عليه السلام لم يمت حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا ، فرأى فيهم الزنا وشرب الخمر والفساد ونهاهم .
قوله : " ويذكر خطيئته " أي : ويذكر نوح عليه السلام خطيئته ، وهي دعوته على قومه بالهلاك ، وقال الغزالي في كشف علوم الآخرة : أن بين إتيان أهل الموقف آدم وإتيانهم نوحا ألف سنة ، وكذا بين كل نبي ونبي إلى نبينا صلى الله عليه وسلم . وقال بعضهم ولم أقف لذلك على أصل ، ولقد أكثر في هذا الكتاب من إيراد أحاديث لا أصل لها ، فلا تغتر بشيء منها ، انتهى . قلت : جلالة قدر الغزالي ينافي ما ذكره ، وعدم وقوفه لذلك على أصل لا يستلزم نفي وقوف غيره على أصل ، ولم يحط علم هذا القائل بكل ما ورد وبكل ما نقل حتى يدعي هذه الدعوى .
قوله : " ائتوا إبراهيم " إلى قوله " ويذكر خطيئته " وهي معاريضه الثلاث ، وهي قوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ في كسر الأصنام ، وقوله لامرأته : " أنا أخوك " ، وقوله : إِنِّي سَقِيمٌ وقال صلى الله تعالى عليه وسلم : " لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات ، كلها في الله ، قوله إِنِّي سَقِيمٌ وقوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ وقوله لسارة ( هي أختي ) " ، رواه الإمام أحمد والبزار . قوله : " ائتوا موسى عليه السلام " إلى قوله " خطيئته " هي قتل القبطي . قوله : " فيأتونه " وفي رواية مسلم " فيأتون عيسى عليه السلام " ولم يذكر ذنبا ، وفي حديث أبي نضرة عن أبي سعيد " إني عبدت من دون الله " وفي رواية ثابت عند سعيد بن منصور نحوه ، وزاد " وإن يغفر لي اليوم حسبي " . قوله : " فيأتوني " وفي رواية النضر بن أنس عن أبيه " حدثني نبي الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : " إني لقائم انتظر أمتي تعبر الصراط إذ جاء عيسى فقال : يا محمد هذه الأنبياء قد جاءتك يسألون لتدعو الله أن يفرق جميع الأمم حيث يشاء ، لغم ما هم فيه " ، وهذا يدل على أن الذي وصف من كلام أهل الموقف كله يقع عند نصب الصراط بعد تساقط الكفار في النار . قوله : " فأستأذن " وفي رواية هشام " فأنطلق حتى أستأذن " ، قال عياض : أي : في الشفاعة ، وفي رواية قتادة عن أنس " آتي باب الجنة فاستفتح ، فيقال : من هذا ؟ فأقول : محمد ، فيقال : مرحبا بمحمد " وفي حديث سليمان " فآخذ بحلقة الباب وهي من ذهب ، فيقرع الباب ، فيقال : من هذا ؟ فيقول : محمد ، فيفتح له ، حتى يقوم بين يدي الله فيستأذن في السجود فيؤذن له " .
قوله : " وقعت ساجدا " نصب على الحال ، وفي حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه " فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا " . قوله : " فيدعني " أي : في السجود ما شاء الله ، وفي حديث أبي بكر الصديق " فيخر ساجدا قدر جمعة " . قوله : " ثم يقول لي " أي : ثم يقول الله لي ، وفي رواية النضر بن أنس " فأوحى الله إلى جبريل عليه السلام أن أذهب إلى محمد فقل له : ارفع رأسك " ، فعلى هذا معنى قوله " ثم يقول لي " على لسان جبريل عليه السلام . قوله : " فيحد لي حدا " أي : يبين لي في كل طور من أطوار الشفاعة حدا أقف عنده ، فلا أتعداه ، مثل أن يقول لي : شفعتك فيمن أخل بالجماعة ، ثم فيمن أخل بالصلاة ، ثم فيمن شرب الخمر ، ثم فيمن زنى ، وعلى هذا الأسلوب كذا حكاه الطيبي . قوله : " ثم أخرجهم من النار " قال الداودي : كأن راوي هذا الحديث ركب شيئا على غير أصله ، وذلك في أول الحديث ذكر الشفاعة في الإراحة من كرب الموقف وفي آخره ذكر الشفاعة في الإخراج من النار ، يعني وذلك إنما يكون بعد التحول من الموقف والمرور على الصراط وسقوط من يسقط في تلك الحالة في النار ثم تقع بعد ذلك الشفاعة في الإخراج ، وهو إشكال قوي ، وقد أجاب عنه عياض وتبعه النووي وغيره بأنه قد وقع في [23/128] حديث حذيفة المقرون بحديث أبي هريرة بعد قوله " فيأتون محمدا فيقوم ويؤذن له " أي : في الشفاعة ، " ويرسل الأمانة والرحم فيقومان بجنبي الصراط يمينا وشمالا ، فيمر أولكم كالبرق " الحديث ، قال عياض : فبهذا يتصل الكلام ، لأن الشفاعة التي يجاء الناس إليه فيها هي الإراحة من كرب الموقف ، ثم تجيء الشفاعة في الإخراج من النار . قوله : " ثم أعود " أي : بعد إخراج من أخرجهم من النار وإدخال من أدخلهم الجنة . قوله : " مثله " أي : مثل الأول . قوله : " في الثالثة " أي : في المرة الثالثة . قوله : " أو الرابعة " شك من الراوي ، وحاصل الكلام أن المرة الأولى الشفاعة لإراحة أهل الموقف ، والثانية لإخراجهم من النار ، والثالثة يقول فيها : " يا رب ما بقي إلا من حبسه القرآن " وهكذا هو في أكثر الروايات ، ولكن وقع عند أحمد من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة " ثم أعود الرابعة فأقول : يا رب ، ما بقي إلا من حبسه القرآن " وفسره قتادة بأنه من وجب عليه الخلود ، يعني من أخبر القرآن بأنه يخلد في النار .