باب وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ ، أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ ، وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا

أي : هذا باب في قوله تعالى : وَحَرَامٌ إلى آخره .
قال الكرماني : الغرض من هذه الآيات أن الإيمان والكفر بتقدير الله تعالى ، وفي رواية أبي ذر : " وحرم على قرية أهلكناها " الآية ، وفي رواية غيره وحرام . . إلى آخر الآية ، والقراءتان مشهورتان ، فقرأ أهل الحجاز والبصرة والشام : حرام ، وقرأ أهل الكوفة : وحرم .
وقال منصور بن النعمان عن عكرمة عن ابن عباس : وحرم بالحبشية وجب .

منصور بن النعمان اليشكري البصري ، سكن مرو ثم بخارى ، وما له في البخاري سوى هذا الموضع ، وقال الكرماني : منصور بن النعمان في النسخ هكذا ، لكن قالوا : صوابه منصور بن المعتمر السلمي الكوفي ، وهذا التعليق رواه أبو جعفر عن ابن قهزاد عن أبي عوانة عنه ، هكذا قاله صاحب ( التلويح ) وتبعه صاحب ( التوضيح ) ، وقال بعضهم : لم أقف على ذلك في ( تفسير أبي جعفر الطبري ) .
قلت : هذا مجرد تشنيع وعدم وقوفه على هذا لا يستلزم عدم وقوف غيره ، ونسخ الطبري كثيرة فلا تخلو عن زيادة ونقصان .
قوله : " وحرم بالحبشية وجب " يعني معنى حرم باللغة الحبشية وجب ، وروى غير عكرمة عن ابن عباس : وجب عليهم أنهم لا يتوبون يعني : في تفسير قوله عز وجل : وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ وعن أبي عبيدة " لا " هنا زائدة ، وذهب إلى أن حراما على بابه ، وأنكر البصريون زيادة " لا " هنا ، وقيل : المعنى وحرام أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون ، أي : لا يتوبون ، وكذا قال الزجاج ، وقيل : الحرام المنع ، فالمعنى حرام عليهم الرجوع إلى الدنيا ، وقال المهلب : وجب عليهم أنهم لا يتوبون ، وحرم وحرام بمعنى واحد والتقدير : وحرام على قرية أردنا إهلاكها التوبة من كفرهم ، وهذا كقوله : أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ أي : تقدم علم الله في قوم نوح أنه لن يؤمن منهم غير من آمن ، ولذلك قال نوح عليه السلام رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إلى قوله : فَاجِرًا كَفَّارًا إذ قد أعلمتني " أنه لن يؤمن منهم إلا من قد آمن " وأهلكهم لعلمه تعالى أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ إلى الإيمان .
19 - حدثني محمود بن غيلان ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة ، فزنا العين النظر ، وزنا اللسان المنطق ، والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك ويكذبه .

مطابقته للترجمة التي هي الآيات التي تدل على أن كل شيء غير خارج عن سابق قدره ، وكذلك حديث الباب لأن الزنا [23/157] ودواعيه كل ذلك مكتوب مقدر على العبد غير خارج من سابق قدره .
ومحمود بن غيلان بفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف ، وعبد الرزاق بن همام ، ومعمر هو ابن راشد ، وابن طاوس هو عبد الله يروي عن أبيه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما .
قوله : " ما رأيت شيئا أشبه باللمم " بفتحتين وهو صغار الذنوب ، وأصله ما يلم به الشخص من شهوات النفس ، والمفهوم من كلام ابن عباس أنه النظر والنطق ، وقال الخطابي : يريد به المعفو عنه المستثنى في كتاب الله الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ وسمى المنطق والنظر زنا لأنهما من مقدماته وحقيقته إنما يقع بالفرج ، وعن ابن عباس اللمم أن يتوب من الذنوب ولا يعاودها ، وروي عنه : كل ما دون الزنا فهو اللمم .
قوله : " فزنا العين النظر " أي : النظر إلى الأجنبية ، وقال ابن مسعود : العينان تزنيان بالنظر ، والشفتان تزنيان وزناهما التقبيل ، واليدان تزنيان وزناهما اللمس ، والرجلان تزنيان وزناهما المشي ، وقيل : إنما سميت هذه الأشياء زنا لأنها دواعي إليه .
قوله : " لا محالة " بفتح الميم أي : لا بد له من ذلك ولا تحول له عنه .
قوله : " تمنى " أصله تتمنى فحذفت منه إحدى التاءين .
قوله : " والفرج يصدق ذلك ويكذبه " يعني : إذا قدر على الزنا فيما كان فيه النظر والتمني كان زنا صدق ذلك فرجه ، وإن امتنع وخاف ربه كذب ذلك فرجه ، وتكتب له حسنة ، قيل : التصديق والتكذيب من صفات الإخبار . وأجيب : بأن إطلاقهما هنا على سبيل التشبيه .
وقال شبابة : حدثنا ورقاء ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

شبابة بفتح الشين المعجمة وتخفيف الباء الموحدة الأولى ابن سوار بفتح السين المهملة وتشديد الواو وبالراء الفزاري ، روى عنه محمود ، وورقاء مؤنث الأورق بالواو وبالراء والقاف ابن عمر الخوارزمي سكن المدينة ، وأشار البخاري بهذا التعليق إلى أن طاوسا سمع القصة من ابن عباس عن أبي هريرة أيضا ، والظاهر أنه سمعه من أبي هريرة بعد أن سمعه من ابن عباس ، ووصل هذا التعليق صاحب ( التلويح ) فقال : رويناه في ( معجم الطبراني الأوسط ) فقال : حدثنا عمر بن عثمان ، حدثنا ابن المنادي عنه ، فذكره ، وتبعه في ذلك صاحب ( التوضيح ) وقال بعضهم : راجعت ( المعجم الأوسط ) فلم أجد هذا فيه .
قلت : صاحب ( التلويح ) يصرح بأنه رواه ، وتبعه أيضا صاحب ( التوضيح ) الذي هو شيخ هذا القائل مع علمه بأن المثبت مقدم على النافي ، ولكن عرق العصبية ينبض فيؤدي صاحبها إلى حط من هو أكبر منه في العلم والسن والقدم .