باب تحاج آدم وموسى عليهما السلام عند الله عز وجل

أي : هذا باب يذكر فيه تحاج آدم وموسى .
قوله : " تحاج " فعل ماض من المحاججة ، وأصله تحاجج بجيمين فأدغمت إحداهما في الأخرى .
قوله : " عند الله " قيل : يعني في يوم القيامة ، وقيل : في الدنيا .
قلت : اللفظ أعم من ذلك ، وقد روى أحمد من طريق يزيد بن هرمز عن أبي هريرة بلفظ : احتج آدم وموسى عند ربهما ، والعندية عندية اختصاص وتشريف لا عندية مكان .
21 - حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان قال : حفظناه من عمرو ، عن طاوس ، سمعت أبا هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : احتج آدم وموسى فقال له موسى : يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة ، قال له آدم : يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده ، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة ؟ فحج آدم موسى ، فحج آدم موسى ثلاثا .

مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعلي بن عبد الله هو ابن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة ، وعمرو هو ابن دينار .
والحديث أخرجه مسلم في القدر أيضا عن محمد بن حاتم وغيره ، وأخرجه أبو داود في السنة عن مسدد وأحمد بن صالح ، وأخرجه النسائي في التفسير عن محمد بن عبد الله ، وأخرجه ابن ماجه في السنة عن هشام بن عمار وغيره .
قوله : " حفظناه من عمرو " وفي ( مسند الحميدي ) عن سفيان ، حدثنا عمرو بن دينار ، وفيه التأكيد لصحة روايته .
قوله : " احتج " أي : تحاج وتناظر ، وفي رواية همام ومالك : تحاج كما في الترجمة وهي أوضح ، وفي رواية أيوب عند البخاري ويحيى بن آدم : حج آدم موسى وعليهما ( شرح الطيبي ) فقال : معنى قوله : " حج آدم موسى " غلبه بالحجة ، وقوله بعد ذلك : " قال موسى : يا آدم أنت . . . إلى آخره " توضيح لذلك وتفسير لما أجمل ، وقوله في آخره : " فحج آدم موسى " تقرير لما سبق وتأكيد له .
قوله : " أنت أبونا " ، وفي رواية ابن أبي كثير : أنت أبو الناس ، وفي رواية الشعبي : أنت آدم أبو البشر .
قوله : " خيبتنا " أي : أوقعتنا في الخيبة وهي الحرمان .
قوله : " وأخرجتنا من الجنة " وهي دار الجزاء في الآخرة وهي مخلوقة قبل آدم .
قوله : " وخط لك بيده " من المتشابهات ، فإما أن يفوض إلى الله تعالى ، وإما أن يؤول بالقدرة والغرض منه كتابة ألواح التوراة .
قوله : " على أمر قدره الله " ويروى : قدر الله بدون الضمير وهي رواية السرخسي والمستملي ، والمراد بالتقدير هنا : الكتابة في اللوح المحفوظ أو في صحف التوراة ، وإلا فتقدير الله أزلي .
قوله : " بأربعين سنة " قال ابن التين : يحتمل أن يكون المراد بالأربعين سنة ما بين قوله تعالى : إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً إلى نفخ الروح في آدم ، وقيل : ابتداء المدة وقت الكتابة في الألواح ، وآخرها ابتداء خلق آدم ، وقال ابن الجوزي : المعلومات كلها قد أحاط بها علم الله القديم قبل وجود المخلوقات كلها ، ولكن كتابتها وقعت في أوقات متفاوتة ، وقد ثبت في ( صحيح مسلم ) : إن الله قدر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، فيجوز أن تكون [23/159] قصة آدم بخصوصها ، كتبت قبل خلقه بأربعين سنة ، ويجوز أن يكون ذلك القدر مدة لبثه طينا إلى أن نفخت فيه الروح ، فقد ثبت في ( صحيح مسلم ) أن بين تصويره طينا ونفخ الروح فيه كان مدة أربعين سنة ، ولا يخالف ذلك كتابة المقادير عموما قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة .
فإن قلت : وقع في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه : أتلومني على أمر قدره لله علي قبل أن يخلق السماوات والأرض .
قلت : تحمل مدة الأربعين سنة على ما يتعلق بالكتابة ، ويحمل الآخر على ما يتعلق بالعلم .
قوله : " فحج آدم موسى " آدم مرفوع بلا خلاف وشذ بعض الناس فقرأه بالنصب على أن آدم المفعول وموسى في محل الرفع على أنه الفاعل نقله الحافظ أبو بكر بن الخاصة ، عن مسعود بن ناصر السجزي الحافظ قال : سمعته يقرأ : فحج آدم بالنصب قال : وكان قدريا ، وقد روى أحمد من رواية الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة بلفظ : " فحجه آدم " وهذا يقطع الإشكال ، فإن رواته أئمة حفاظ ، والزهري من كبار الفقهاء الحفاظ ، ومعنى فحج أي : غلبه بالحجة ، يقال : حاججت فلانا فحججته مثل خاصمته فخصمته ، وقال الخطابي : إنما حجه آدم في رفع اللوم إذ ليس لأحد من الآدميين أن يلوم أحدا به ، وقال النووي : معناه أنك تعلم أنه مقدر فلا تلمني ، وأيضا اللوم شرعي لا عقلي ، وإذا تاب الله عليه وغفر له ذنبه زال عنه اللوم ، فمن لامه كان محجوجا .
قوله : " ثلاثا " أي : قال : حج آدم موسى ثلاث مرات ، وفي حديث رواه عمرو بن أبي عمرو عن الأعرج " لقد حج آدم موسى ، لقد حج آدم موسى ، لقد آدم حج موسى " .
فإن قلت : متى كان ملاقاة آدم وموسى ؟
قلت : قيل : يحتمل أن يكون في زمن موسى عليه السلام ، وأحيا الله له آدم معجزة له ، فكلمه أو كشف له عن قبره ، فتحدثا أو أراه الله روحه كما أرى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ليلة المعراج أرواح الأنبياء عليهم السلام ، أو أراه الله في المنام رؤيا ورؤيا الأنبياء وحي ، أو كان ذلك بعد وفاة موسى فالتقيا في البرزخ أول ما مات موسى فالتقت أرواحهما في السماء ، وبذلك جزم ابن عبد البر والقابسي ، أو أن ذلك لم يقع وإنما يقع بعد في الآخرة ، والتعبير عنه بلفظ الماضي لأنه محقق الوقوع فكأنه قد وقع .
فإن قلت : لم خص موسى عليه السلام بالذكر ؟
قلت : لكونه أول نبي بعث بالتكاليف الشديدة .
فإن قلت : ما وجه وقوع الغلبة لآدم عليه السلام ؟
قلت : لأنه ليس لمخلوق أن يلوم مخلوقا في وقوع ما قدر عليه إلا بإذن من الله ، فيكون الشارع هو اللائم ، فلما أخذ موسى في لومه من غير أن يؤذن له في ذلك عارضه بالقدر فأسكته ، وقيل : إن الذي فعله آدم اجتمع فيه القدر والكسب والتوبة تمحو أثر الكسب ، وقد كان الله تاب عليه فلم يبق إلا القدر ، والقدر لا يتوجه عليه لوم لأنه فعل الله ، ولا يسأل عما يفعل ، وقيل : إن آدم أب وموسى ابن وليس للابن أن يلوم أباه ، حكاه القرطبي .
فإن قلت : فالعاصي اليوم لو قال : هذه المعصية قدرت علي فينبغي أن يسقط عنه اللوم .
قلت : هو باق في دار التكليف وفي لومه زجر له ولغيره عنها ، وأما آدم فميت خارج عن هذه الدار فلم يكن في القول فائدة سوى التخجيل ونحوه .
قال سفيان : حدثنا أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .

أي : قال سفيان بن عيينة : حدثنا أبو الزناد بالزاي والنون عبد الله بن ذكوان ، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، عن أبي هريرة ، وهذا موصول وهو معطوف على قوله : " حفظناه من عمرو " ، وفي رواية الحميدي قال : وحدثنا أبو الزناد بإثبات الواو وهي أظهر في المراد ، وقيل : أخطأ من زعم أن هذا الطريق معلق ، وقد أخرجه الإسماعيلي منفردا بعد أن ساق طريق طاوس عن جماعة عن سفيان فقال : أخبرنيه القاسم - يعني : ابن زكريا - حدثنا إسحاق بن حاتم العلاف ، حدثنا سفيان ، عن عمرو مثله سواء ، وزاد قال : وحدثني سفيان عن أبي الزناد به .