[3/425] 4 - باب
فضل التأذين
608 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين ، فإذا قضي النداء أقبل حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر حتى إذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه ، يقول : اذكر كذا ، اذكر كذا ، لما لم يكن يذكر ، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى "
.

النداء بالصلاة ، المراد به : الأذان للصلاة .
والتثويب ، المراد به : الإقامة ؛ فإنه رجوع إلى النداء ، يقال : ثاب الرجل ، إذا رجع .
ومنه : قوله تعالى : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ أي : يترددون ويرجعون إليه .
ومنه : حديث أبي هريرة : " إذا ثوب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون " - الحديث .
وقيل : سميت الإقامة تثويبا ؛ لترديد قوله : " قد قامت الصلاة " مرتين . وهو بعيد حكاه الخطابي ، ورجح أنها تسمى " تثويبا " لرفع الصوت بها .
قال : والتثويب : الاستغاثة ، واصله أن يلوح الرجل بثوبه عند الفزع ، يعلم أصحابه .
[3/426] وهذا الذي قاله ضعيف ، ولو كان صحيحا لكان تسمية الأذان تثويبا أحق من الإقامة .
وفي الحديث : دليل على فضل الأذان ، وأنه يطرد الشيطان حتى يدبر عنده وله ضراط ، بحيث لا يسمع التأذين .
والأذان والإقامة في هذا سواء .
وضراط الشيطان ، محمول على ظاهره عند كثير من العلماء ، ومنهم من تأوله ، ولا حاجة إلى ذلك .
وفي " صحيح مسلم " عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الروحاء " .
قال الأعمش : سألته عن الروحاء ، فقال : هو من المدينة ستة وثلاثون ميلا .
وروى النيسابوري ، عن بشير بن عمرو ، عن عمر بن الخطاب ، قال : إذا رأيتم الغيلان فأذنوا بالصلاة .
وروى الحسن ، عن سعد بن أبي وقاص ، قال : أمرنا إذا رأينا الغول أن ينادي بالصلاة .
خرجهما ابن أبي الدنيا .
[3/427] وقال مالك : استعمل زيد بن أسلم على معدن بني سليم ، وكان معدنا لا يزال الناس يصابون فيه من قبل الجن ، فذكروا ذلك لزيد بن أسلم ، فأمرهم بالأذان ، وأن يرفعوا أصواتهم به ، ففعلوا فارتفع ذلك عنهم ، وهم عليه حتى اليوم .
قال مالك : وأعجبني ذلك من رأي زيد بن أسلم .
وفي " صحيح مسلم " ، عن سهيل بن أبي صالح ، قال : أرسلني أبي إلى بني حارثة ، قال : ومعي غلام لنا - أو صاحب لنا - ؛ فناداه مناد من حائط باسمه . قال : وأشرف الذي معي على الحائط فلم ير شيئا ، فذكرت ذلك لأبي ، فقال : لو شعرت أنك تلقى هذا لم أرسلك ؛ ولكن إذا سمعت صوتا فنادي بالصلاة ؛ فإني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إن الشيطان إذا نودي بالصلاة ولى وله حصاص " .
وقد قيل في سر ذلك : إن المؤذن لا يسمعه جن ولا إنس إلا شهد له يوم القيامة ، كما سيأتي في الحديث بعد هذا ، فيهرب الشيطان من سماع الأذان ويضرط ؛ حتى يمنعه ضراطه من استماعه ، حتى لا يكلف الشهادة به يوم القيامة .
وقيل : إن إعلان التكبير له سر في إذابة الشيطان ، وقد جاء في حديث ضعيف : " إذا رأيتم الحريق فكبروا ؛ فإنه يطفئه " ، والشيطان خلق من النار ، فهو يذوب من سماع التكبير وإعلانه .
وكذلك الإعلان بالتهليل : [3/428] قال أبو الجوزاء : ما للشيطان طرد عن القلب غير " لا إله إلا الله " ، ثم تلا : وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا
ويكره لمن كان جالسا أن يبادر إلى القيام ، ولو إلى الصلاة ؛ لأن فيه مشابهة بالشيطان في إدباره عند سماع الأذان .
قال الإمام أحمد في رواية الأثرم ، وسئل عن الرجل يقوم حين يسمع المؤذن ، يبادر يركع ؟ قال : يستحب ركوعه بعدما يفرغ المؤذن أو يقرب من الفراغ ؛ لأنه يقال : إن الشيطان ينفر حين يسمع الأذان .