باب إذا حنث ناسيا في الأيمان

أي : هذا باب يذكر فيه إذا حنث الحالف حال كونه ناسيا ، ولم يبين حكمه كعادته في الأبواب الماضية .
وقول الله تعالى : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وقال : لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ

ثبوت الواو في " وليس "رواية لقوم ، وفي رواية أبي ذر بدون الواو أي : ليس عليكم إثم فيما فعلتموه مخطئين ، ولكن الإثم فيما تعمدتموه ، وذلك أنهم كانوا ينسبون زيد بن حارثة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون : زيد بن محمد ، فنهاهم عن ذلك وأمرهم أن ينسبوهم [23/188] لآبائهم الذين ولدوهم ، وثم قال : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ قبل النهي ، ويقال : إن هذا على العموم فيدخل فيه كل مخطئ ، وغرض البخاري هذا يدل عليه حديث الباب .
قوله : " وقال : لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ " هذه في آية أخرى في سورة الكهف يخاطب موسى عليه السلام بقوله : لا تُؤَاخِذْنِي الخضر عليه السلام ، وذلك بعد ما جرى من أمر السفينة ، وروى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال : كانت الأولى من أمر موسى النسيان ، والثانية العذر ، ولو صبر لقص الله علينا أكثر مما قص ، وبهذا استدل أيضا على أن الناسي لا يؤاخذ بحنثه في يمينه .
فإن قلت : الخطأ نقيض الصواب والنسيان خلاف الذكر ، ولم يذكر في الترجمة إلا النسيان ولا تطابقها إلا الآية الثانية ، وكذلك لا يناسب الترجمة من أحاديث الباب إلا الذي فيه تصريح بالنسيان ، والآية الأولى لا مطابقة لها في الذكر هنا ، ألا يرى أن الدية تجب في القتل بالخطأ ، وإذا أتلف مال الغير خطأ فإنه يغرم ؟
قلت : إنما ذكر الآية الأولى وأحاديث الباب على الاختلاف ليستنبط كل أحد منها ما يوافق مذهبه ، ولهذا لم يذكر الحكم في الترجمة ، وإنما ذكرها لأنها أصول الأحكام ومواد الاستنباط التي يصلح أن يقاس عليها ، ووجوب الدية في الخطأ وغرامة المال بإتلافه خطأ من خطاب الوضع فتيقظ فإنه موضع دقيق .
40 - حدثنا خلاد بن يحيى ، حدثنا مسعر ، حدثنا قتادة ، حدثنا زرارة بن أوفى ، عن أبي هريرة يرفعه قال : إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم .

مطابقته للترجمة من حيث إن الوسوسة من متعلقات عمل القلب كالنسيان .
وخلاد بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام السلمي بضم السين المهملة ، ومسعر بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين ابن كدام بكسر الكاف ، وزرارة بضم الزاي وتخفيف الراء الأولى ابن أوفى بفتح الهمزة وسكون الواو وبالفاء العامري قاضي البصرة .
والحديث مضى في الطلاق عن مسلم بن إبراهيم ، وفي العتاق عن محمد بن عرعرة ، وذكر الإسماعيلي أن الفرات بن خالد أدخل بين زرارة وبين أبي هريرة في هذا الإسناد رجلا من بني عامر وهو خطأ ، فإن زرارة من بني عامر ، فكأنه كان فيه عن زرارة رجل من بني عامر ، فظنه آخر وليس كذلك .
قوله : " يرفعه " أي : يرفع أبو هريرة الحديث إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقال الكرماني : إنما قال : يرفعه إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليكون أعم من أنه سمعه منه أو من صحابي آخر سمعه منه . انتهى .
وقال بعضهم : ولا اختصاص لذلك بهذه الصيغة بل مثله في قوله : قال وعن ، وإنما يرفع الاحتمال إذا قال : سمعت أو نحوه .
قلنا : غرض هذا القائل تحريشه على الكرماني وإلا فلا حاجة إلى هذا الكلام لأنه ما ادعى الاختصاص ولا قوله ذلك ينافي غيره يعرف بالتأمل ، وذكر الإسماعيلي أن وكيعا رواه عن مسعر ولم يرفعه ، قال : والذي رواه ثقة ، فوجب المصير إليه .
قوله : " تجاوز لأمتي " وفي رواية هشام عن قتادة عن أمتي وهو أوجه .
قوله : " أو حدثت به " وفي رواية هشام : عما وسوست به ، وما حدثت به من غير تردد ، وكذا في رواية مسلم .
قوله : " أنفسها " بالنصب عند الأكثرين ، وعند بعضهم بالرفع .
قوله : " أو تكلم " بالجزم أراد أن الوجود الذهني لا أثر له وإنما الاعتبار بالوجود القولي في القوليات والعملي في العمليات ، قيل : لو أصر على العزم على المعصية يعاقب عليه لا عليها ، وأجيب بأن ذلك لا يسمى وسوسة ولا حديث نفس بل هو نوع من عمل القلب .