الحديث الثاني : قال :
612 - ثنا معاذ بن فضالة : ثنا هشام ، عن يحيى ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث ، قال : حدثني عيسى بن طلحة ، أنه سمع معاوية يوما ، فقال مثله ، إلى قوله : ( وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ) .
613 - ثنا إسحاق : ثنا وهب بن جرير : ثنا هشام ، عن يحيى - مثله .
قال يحيى : وحدثني بعض إخواننا ، أنه لما قال : ( حي على الصلاة ) ، قال : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) ، وقال : هكذا سمعنا نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول
.

هكذا خرجه مختصرا .
[3/448] وخرجه الإمام أحمد بتمامه ، عن إسماعيل بن إبراهيم - هو : ابن علية - وأبي عامر العقدي ، قالا : ثنا هشام ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن محمد بن إبراهيم ، عن عيسى بن طلحة - قال أبو عامر في حديثه : ثنا عيسى بن طلحة - قال : دخلنا على معاوية ، فنادى المنادي بالصلاة ، فقال : ( الله أكبر ، الله أكبر ) . فقال معاوية : ( الله أكبر ، الله أكبر ) ، فقال : ( أشهد أن لا إله إلا الله ) ، فقال معاوية : ( وأنا أشهد ) - قال أبو عامر في حديثه : ( أن لا إله إلا الله ) - فقال : ( أشهد أن محمدا رسول الله ) ، فقال معاوية : ( وأنا أشهد ) - قال أبو عامر : ( أن محمدا رسول الله ) .
قال يحيى : ثنا رجل ، أنه لما قال : ( حي على الصلاة ) قال : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) ، قال معاوية : هكذا سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول .
وخرجه الإسماعيلي بنحوه من طريق ابن علية .
وله طريق آخر عن معاوية :
خرجه البخاري في " الجمعة " في " كتابه " هذا من طريق ابن المبارك : أبنا أبو بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف ، [عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ] ، قال : سمعت معاوية بن أبي سفيان وهو جالس على المنبر أذن المؤذن ، فقال : ( الله أكبر ، الله أكبر ) ، فقال معاوية : ( الله أكبر ، الله أكبر ) . فقال : ( أشهد أن لا إله إلا الله ) ، فقال معاوية : ( وأنا ) ، فقال : ( أشهد أن محمدا رسول الله ) ، فقال معاوية : ( وأنا ) ، فلما قضى التأذين ، قال : يا أيها الناس ، إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذه المجلس حين أذن المؤذن يقول كما سمعتم مقالتي .
[3/449] وقد روي عن معاوية من طرق أخرى ، وفي بعضها : أنه قال عند ( حي على الصلاة ) ، و ( حي على الفلاح ) : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) موافقة للرواية التي أرسلها يحيى بن أبي كثير .
فخرج الإمام أحمد والنسائي من رواية ابن جريج : أخبرني عمرو بن يحيى ، أن عيسى بن عمر أخبره ، عن عبد الله بن علقمة بن وقاص ، عن علقمة بن وقاص ، قال : إني عند معاوية إذ أذن مؤذنه ، فقال معاوية كما قال المؤذن ، حتى إذا قال : ( حي على الصلاة ) قال : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) ، فلما قال : ( حي على الفلاح ) قال : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) . وقال بعد ذلك ما قال المؤذن ، ثم قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك .
وخرجه الإمام أحمد بمعناه من رواية محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبيه ، عن جده ، قال : كنا عند معاوية - فذكره بمعناه .
وروى عبد الوهاب بن الضحاك : ثنا إسماعيل بن عياش ، عن مجمع بن جارية ، عن أبي أمامة بن سهل ، قال : سمعت معاوية يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول - إذا أذن المؤذن - مثل قوله ، وإذا قال : ( حي على الصلاة ) قال : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) .
عبد الوهاب متروك الحديث . وإسماعيل لا يحفظ حديث الحجازيين
.
وقد رواه الإمام أحمد عن يعلى بن عبيد ويزيد بن هارون ، كلاهما عن مجمع - بنحو سياق حديث أبي بكر بن عثمان الذي خرجه البخاري .
وخرجه - أيضا - عن وكيع ، عن مجمع - مختصرا .
ورواه أبو نعيم في " كتاب الصلاة " عن مجمع - بنحو رواية يعلى ويزيد .
وليس في حديث أحد منهم : ذكر الحيعلة .
[3/450] وفي رواية يعلى ويزيد وأبي نعيم : أنه لما كبر المؤذن - اثنين - كبر - اثنين - ولما شهد أن لا إله إلا الله - اثنين - شهد - اثنين - ، ولما شهد أن محمدا رسول الله - اثنين - شهد - اثنين .
وهذا يشعر بأن التكبير في أول الأذان مرتان .
وروي هذا المعنى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير حديث معاوية :
فخرج مسلم في " صحيحه " من حديث عمارة بن غزية ، عن خبيب بن عبد الرحمن بن يساف ، عن حفص بن عاصم بن عمر ، عن أبيه ، عن جده عمر بن الخطاب ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( إذا قال المؤذن : الله أكبر ، الله أكبر ، فقال أحدكم : الله أكبر الله أكبر . ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله . ثم قال : أشهد أن محمدا رسول الله ، قال : أشهد أن محمدا رسول الله ، ثم قال : حي على الصلاة ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله . ثم قال : حي على الفلاح ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله . ثم قال : الله أكبر الله أكبر ، قال : الله أكبر الله أكبر . ثم قال : لا إله إلا الله ، قال : لا إله إلا الله من قلبه ؛ دخل الجنة ) .
وعمارة بن غزية ، ثقة ولم يخرج له البخاري .
وقد روي نحوه من حديث عاصم بن عبيد الله العمري ، عن علي بن حسين ، عن أبي رافع ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا سمع [المؤذن] قال مثل ما يقول حتى إذا بلغ : ( حي على الصلاة ، حي على الفلاح ) قال : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) .
خرجه الإمام أحمد والنسائي في " اليوم والليلة " .
[3/451] وعاصم هذا ضعفوه ، وقد اختلف عليه في إسناده .
وروي نحوه من حديث أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
خرجه ابن عدي ، وقال : هو منكر ، وإسناده لا يصح
.
وإجابة المؤذن مستحبة عند جمهور العلماء ، وليست واجبة .
وكان الحسن كثيرا يسمع المؤذن وهو يتحدث فلا يقطع حديثه ولا يجيبه ، وكذلك إسحاق بن راهويه .
ونص أحمد على أن الإجابة غير واجبة .
وحكى الطحاوي عن قوم أنهم أوجبوا إجابته . والظاهر : أنه قول بعض الظاهرية . وحكي عن بعض الحنفية أيضا .
وروي عن ابن مسعود ، أنه قال : من الجفاء أن لا يقول مثل ما يقول المؤذن .
وقد روي مرفوعا من وجوه ضعيفة
.
واختلف العلماء : هل يجيب المؤذن ، فيقول كقوله في جميع ما يقول ، أم لا ؟
فقالت طائفة : يقول مثل ما يقول سواء في جميع أذانه ؛ لظاهر حديث أبي سعيد .
وفي " صحيح مسلم " من حديث عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ) .
[3/452] وقد روي عن طائفة من السلف ، أنهم قالوا : يقول مثل قول المؤذن ، ولم يستثنوا ، منهم النخعي .
وروي عن ابن عمر : أنه كان يقول مثل ما يقول المؤذن .
وهو ظاهر قول الخرقي من أصحابنا .
وقالت طائفة : يقول كقوله ، إلا في قوله : ( حي على الصلاة ، حي على الفلاح ) ، فإنه يقول : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) .
وهذا مروي عن الحسن ، وهو منصوص عن أحمد ، والشافعي ، وهو قول طائفة من الحنفية والمالكية .
وهؤلاء ؛ جعلوا حديث أبي سعيد وما في معناه عاما ، وحديث عمر ومعاوية وما في معناهما خاصة ، فتقضي على النصوص العامة .
ومن الحنفية من قال : يقول عند قوله ( حي على الصلاة ) : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) . وعند : ( حي على الفلاح ) : ( ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ) .
وقالت طائفة : هو مخير بين أن يقول مثل قول المؤذن في الحيعلة ، وبين أن يقول : " لا حول ولا قوة إلا بالله " ، وجمعوا بين الأحاديث بذلك ، وهذا قول أبي بكر الأثرم ومحمد بن جرير الطبري .
وقالت طائفة : بل يجمع بين أن يقول مثل قول المؤذن ، وبين قوله : " لا حول ولا قوة إلا بالله " .
وهذا قول بعض أصحابنا ، وهو ضعيف ؛ لأن الجمع لم يرد .
وكان بعض شيوخنا يقول : يجمع بين الأحاديث في هذا بأن من سمع المؤذن وهو في المسجد قال مثل قوله ، فإن سمعه خارج المسجد قال : " لا حول ولا قوة إلا بالله " ؛ لأنه يحتاج إلى سعي فيستعين بالله عليه .
وقالت طائفة : يجيب المؤذن إلى آخر الشهادتين ، ولا يجيبه فيما زاد على [3/453] ذلك ، وهو رواية عن مالك .
وفي " تهذيب المدونة " : أنه يجيبه إلى قوله : " أشهد أن محمدا رسول الله " ، وإن أتم الأذان معه فلا بأس .
وظاهره : أنه يتمه معه بلفظ الأذان .
وهؤلاء قد يحتجون ببعض روايات حديث معاوية التي فيها الإجابة إلى الشهادتين ، ولكن قد روي عنه من وجوه : إجابته في تمام الأذان .
وروي من حديث الحكم بن ظهير ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاب المؤذن إلى الشهادتين ، ثم سكت .
ذكره أبو بكر الأثرم ، وقال : هو حديث واه .
يشير إلى أن الحكم بن ظهير ضعيف جدا
.
وروى أبو نعيم في " كتاب الصلاة " : ثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن أبي جعفر ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع المنادي يقول : ( أشهد أن لا إله إلا الله ) قال : ( وأنا ) . وإذا قال : ( أشهد أن محمدا رسول الله ) قال : ( وأنا ) ، ثم سكت .
وهذا مرسل .

وحكى ابن عبد البر عن قوم : أنهم رأوا إجابة المؤذن الحيعلتين خاصة .
وعن قوم : أنهم رأوا إجابته في الشهادتين خاصة ، دون ما قبلهما وبعدهما .
وروى ابن أبي شيبة بإسناده ، عن قتادة : أن عثمان كان إذا سمع المؤذن يؤذن يقول كما يقول ، في التشهد والتكبير كله ، فإذا قال : " حي على الصلاة " قال : ما شاء الله ، لا حول ولا قوة إلا بالله . فإذا قال : ( قد قامت الصلاة ) قال : مرحبا بالقائلين عدلا ، وبالصلاة مرحبا وأهلا . ثم ينهض إلى الصلاة .
[3/454] وبإسناده عن مجاهد ، أنه كان إذا قال المؤذن : ( حي على الصلاة ) قال : المستعان الله . [فإذا] قال : ( حي على الفلاح ) قال : لا حول ولا قوة إلا بالله .
وفي " مسند الإمام أحمد " عن علي بن أبي طالب ، أنه كان إذا سمع المؤذن يؤذن ، قال كما يقول ، فإذا قال : " أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله " قال علي : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله .
وخرج ابن السني بإسناد لا يصح ، عن معاوية ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع المؤذن قال ( حي على الفلاح ) قال : ( اللهم اجعلنا مفلحين ) .
وذكر ابن جرير بإسناده ، عن سعيد بن جبير ، أنه كان إذا سمع المؤذن يقول : " حي على الصلاة " يقول : سمعنا وأطعنا .
ولا فرق في استحباب إجابة المؤذن بين النساء والرجال ، هذا ظاهر إطلاق العلماء ، وظواهر الأحاديث ؛ فإن خطاب الذكور يدخل في الإناث تبعا في كثير من العمومات ، وهو قول أصحاب الإمام أحمد وغيرهم ممن تكلم في أصول الفقه .
وقد روي التصريح بإجابة النساء المؤذن من حديث عائشة وميمونة ، وإسنادهما لا يصح .
وقد خرج ابن جرير الطبري حديث ميمونة ، وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " وللرجال الضعفان من الأجر " يعني في الإجابة .
وذكر ابن جرير ، عن بعض أهل الحديث ، أنه قال : لا يحتج بهذا الحديث ذو علم بالآثار ومعرفة الرجال .
والأمر كما قال ؛ فإن إسناده ضعيف جدا
.
[3/455] وقد خرج أبو الشيخ الأصبهاني في " كتاب ثواب الأعمال " معناه - أيضا - من حديث ابن المنكدر - مرسلا .
وهذا قد يشعر بأن النساء في ثواب الأعمال نصف أجر الرجال .
ويشهد له : ما خرجه ابن أبي حاتم في " تفسيره " من حديث الأشعث بن إسحاق ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله : وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ الآية ، قال : أتت امرأة النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ فقالت : يا نبي الله ، للذكر مثل حظ الأنثيين ، وشهادة امرأتين بشهادة رجل ، أفنحن في العمل هكذا ، إن عملت امرأة حسنة كتب لها نصف حسنة ، فأنزل الله هذه الآية وَلا تَتَمَنَّوْا فإنه عدل مني ، وأنا صنعته .
وبإسناده عن السدي في هذه الآية ، قال : قال الرجال : نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على أجر النساء كما لنا في السهام سهمان ، ونريد أن يكون لنا في الأجر أجران . وقالت النساء : نريد أن يكون لنا أجر مثل أجر الرجال الشهداء ، فإنا لا نستطيع أن نقاتل ، ولو كتب علينا القتال لقاتلنا . فأبى الله ذلك ، ولكن قال لهن : " سلوا الله من فضله يرزقكم الأعمال ، وهو خير لكم " .
وروى قتادة هذا المعنى - أيضا .
وهذا كله يشعر بأن النساء لهن نصف أجر الرجال في الأعمال كلها .
وقد يخص ذلك بما لا يشرع مشاركة النساء للرجال في الأعمال ، أو ما يجوز لهن مشاركتهم فيها ، [والأوصى] ترك المشاركة ، كصلاة الجماعة وإجابة المؤذن ؛ فإنه داع إلى الصلاة في الجماعة .
[3/456] وقد روي في حديث غريب ، خرجه أبو نعيم في " تاريخ أصبهان " : أن صلاة المرأة وحدها تضاعف على صلاتها في الجماعة ببضع وعشرين درجة .
وفي إسناده مقال
.
وربما يأتي ذكره بلفظه في موضع آخر – إن شاء الله .
وهل يشرع للمؤذن نفسه أن يجيب نفسه بين كلمات الأذان ؟
ذكر أصحابنا أنه يشرع له ذلك .
وروي عن الإمام أحمد أنه كان إذا أذن يفعل ذلك .
واستدلوا بعموم قوله : " إذا سمعتم المؤذن فقولوا كما يقول " . والمؤذن يسمع نفسه ، فيكون مأمورا بالإجابة .
وقاسوه على تأمين الإمام على قراءة الفاتحة مع المأمومين .
وفي هذا نظر ؛ فإن تأمين الإمام وردت به نصوص .
وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا سمعتم المؤذن ) ، ظاهره يدل على التفريق بين السامع والمؤذن ، فلا يدخل المؤذن ، كما قال أصحابنا في النهي عن الكلام لمن يسمع الإمام وهو يخطب ، أنه لا يشمل الإمام ، بل له الكلام .
وكذا قالوا في الأيمان ونحوها ، لو قال : من دخل داري . أو خاطب غيره ، فقال : من دخل دارك ، وعلق على ذلك طلاقا أو غيره - لم يدخل هو في عموم اليمين في الصورة [الأولى] ، ولا المخاطب في الصورة الثانية .
وللمسألة نظائر كثيرة ، في بعضها اختلاف ، قد ذكرناها في كتاب " القواعد في الفقه " .
واستحب أحمد للمؤذن أن يبسط يديه ويدعو عند قوله : " حي على [3/457] الصلاة " . قال : رأيت يزيد بن هارون يفعله ، وهو حسن . يعني : لما ورد من استحبابه الدعاء عن الأذان ، وفيه أحاديث كثيرة مرفوعة ، وموقوفة .
وقوله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن " يدخل فيه الأذان والإقامة ؛ لأن كلا منهما نداء إلى الصلاة ، صدر من المؤذن .
وقد اختلف العلماء : هل يشرع الإجابة في الإقامة ؟ على قولين :
أحدهما : أنه يشرع ذلك ، وهو قول القاضي أبي يعلى وأكثر أصحابنا ، وهو ظاهر مذهب الشافعي .
وفي " سنن أبي داود " من رواية محمد بن ثابت العبدي : ثنا رجل من أهل الشام ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي أمامة - أو عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن بلالا أخذ في الإقامة ، فلما أن قال : " قد قامت الصلاة " قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أقامها الله وأدامها " ، وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان .
وفي هذا [الإسناد] ضعف
.
والقول الثاني : أنه لا يشرع الإجابة فيها ، إلا في كلمة الإقامة خاصة ، وهو وجه للشافعية .
وقد نقل المروذي عن الإمام أحمد : أنه كان إذا أخذ المؤذن في الإقامة رفع يديه ودعا .
وروي عنه ، أنه كان يدعو ، فإذا قال المؤذن : " لا إله إلا الله " قال : لا إله إلا الله الحق المبين .
[3/458] وظاهر هذا : أن الدعاء حينئذ أفضل من الإجابة .
وتأوله القاضي على أنه إنما كان يدعو إذا فرغ من الإقامة .
وهذا مخالف لقوله : ( إذا أخذ المؤذن في الإقامة ) .
ولو سمع المؤذن وهو يصلي ، فهل يجيبه ، أم لا ؟
هذا قد ينبني على أصل ، وهو أن العام في الأشخاص : هل هو عام في الأحوال ، أم لا ؟ وفيه اختلاف ، قد أشرنا إليه في غير موضع .
ويدل على عمومه في الأحوال : إنكار النبي - صلى الله عليه وسلم - على من دعاه فلم يجبه حتى سلم ، وقوله له : ( ألم يقل الله : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ .
وقد اختلف العلماء في إجابة المؤذن في الصلاة على ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه لا يستحب إجابته في الصلاة بحال ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إن في الصلاة لشغلا ) .
وهذا ظاهر مذهب الشافعي .
وهو قول أصحابنا ، قالوا : وقد نص أحمد على أن من دخل المسجد فأذن المؤذن ، فإنه لا يصلي تحية المسجد حتى يجيب المؤذن .
وهذا يدل على أنه لا يجيبه في الصلاة .
وهو - أيضا - قول الحنفية وسحنون من المالكية .
الثاني : أنه يستحب أن يجيبه في الفريضة والنافلة ، وهو قول ابن وهب من أصحاب مالك .
والثالث : يستحب أن يجيبه في النفل دون الفرض ، وهو المنصوص عن مالك .
[3/459] نقله عنه ابن القاسم ، وقال : يقع في نفسي أنه أريد بالحديث : وقال : " يقول مثل ما يقول " : التكبير والتشهد .
وكذا قال الليث ، إلا أنه قال : ويقول : " لا حول ولا قوة إلا بالله " إذا قال " حي على الصلاة ، حي على الفلاح " .
وفي " تهذيب المدونة " للبرادعي المالكي : ومن سمع المؤذن فليقل كقوله ، وإن كان في نافلة ، إلى قوله : " أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله " ، وإن أتم الأذان معه فلا بأس .
ولعل إتمامه مختص بغير المصلي ، أو بما إذا أجابه في الحيعلة بالحوقلة ، كما قال الليث : إنه إذا أجابه بذلك لم تبطل صلاته ، فريضة كانت أو نافلة عند جمهور العلماء .
وهو قول مالك والشافعي وأصحابنا .
ويخرج من قول أحمد في العاطس في الصلاة : يحمد الله في نفسه : نقله عنه جماعة .
ونقل صالح بن أحمد ، عن أبيه ، قال : إذا رفع صوته به يعيد الصلاة ؛ لأنه ليس من شأن الصلاة ، إلا أن لا يجهر به ، وإن قال في نفسه فلا شيء عليه .
وهذا يحتمل أنه أراد إذا تلفظ به بطلت صلاته .
وحكى الطحاوي عن أبي يوسف ، أنه لا تبطل صلاته إذا أجاب المؤذن في الصلاة بالتكبير والتشهد عند أبي يوسف ، وتبطل عند أبي حنيفة ومحمد إذا أراد به الأذان ، كما لو خاطب إنسانا في صلاته بلا إله إلا الله ، فإن صلاته عنده تفسد .
وهو إحدى الروايتين عن أحمد .
وقد فرق بينهما أصحابنا ، بأن هذا قصد خطاب آدمي ، بخلاف المجيب [3/460] للأذان ، فإنه إنما قصد ذكر الله عز وجل .
وقد نقل مهنا ، عن أحمد [فيمن] ذكر في صلاته كيسا ذهب له ، فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فقال أحمد : يعيد صلاته .
وهذا يدل على أنه إذا أتى في صلاته بذكر غير مشروع فيها أنها تبطل .
وكذلك روى جعفر بن محمد ، عن أحمد ، في الرجل يقول قبل أن يتم الصلاة : اللهم أنت السلام ومنك السلام ؛ فليس هذا من شأن الصلاة [...] الصلاة .
وروى عنه أبو طالب ، أنه قال : لا بأس بذلك قبل السلام وبعده .
وإن أجاب المؤذن في قوله " حي على الصلاة ، حي على الفلاح " ، بمثل قوله بطلت صلاته عند جمهور العلماء .
وقالت طائفة : لا تبطل صلاته بذلك - أيضا .
وحكاه ابن خويز منداد ، عن مالك ، وأنه يكون بذلك مسيئا ، وصلاته تامة . وكره أن يقول في الفريضة - مثل ما يقول المؤذن ، فإن قال ذلك في الفريضة لم تبطل أيضا ، ولكن الكراهة في الفريضة أشد .
وكلام صاحب " تهذيب المدونة " ظاهره موافقة ذلك ، إلا أنه قال : لا بأس .
وهذا يدل على أنه يكره ، إلا أن يختص ذلك بغير المصلي .
وقد ورد حديث يستدل به على أن الأذان والإقامة لا [يبطلان] الصلاة .
[3/461] فروى الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، أن سويد بن قيس أخبره ، عن معاوية بن حديج ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى يوما ، فسلم وقد بقيت من الصلاة ركعة ، فأدركه رجل ، فقال : نسيت من الصلاة ركعة ، فرجع فدخل المسجد ، وأمر بلالا فأقام ، فصلى للناس ركعة ، فأخبرت بذلك الناس ، فقالوا لي : تعرف الرجل ؟ فقلت : لا ، إلا أن أراه . فمر بي ، فقلت : هو هذا . فقالوا : هذا طلحة بن عبيد الله .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .
وابن خزيمة وابن حبان في " صحيحيهما " ، وعندهما : أنه سلم في ركعتين من صلاة المغرب .
والحاكم ، وقال : صحيح الإسناد .
وسويد هذا ، وثقه النسائي وابن حبان . ومعاوية بن حديج ، أثبت البخاري وغيره له صحبة ، وأنكره الإمام أحمد في رواية الأثرم ، فيكون حديثه هذا مرسلا عنده
.
فهذا يدل على [أن] إقامة الصلاة في الصلاة لا يبطلها ، وفيها الحيعلتان ، ويزيد على الأذان بقوله : " قد قامت الصلاة " - أيضا - ؛ ولهذا بنى على ما مضى من صلاته هو ومن صلى معه .
وهذا قد يبنى على أصول مالك وأحمد - في رواية عنه - على قوليهما : إن كلام العامد في الصلاة لمصلحة الصلاة لا يبطل الصلاة . ويأتي ذكر هذا في موضع آخر - إن شاء الله .
وإذا قلنا : لا يجيب المؤذن في الصلاة : فهل يتابع إذا فرغ منها ؟ [3/462] قال طائفة من الشافعية : يجيبه إذا سلم ، فإن طال الفصل ، فهو كترك سجود السهو .
وكذلك قال طائفة منهم في المتخلي والمجامع إذا سمع الأذان : أنه إذا فرغ تابعه .
وقال بعضهم : وإذا لم يتابعه حتى فرغ عمدا ، فالظاهر أنه يتدارك على القرب ، ولا يتدارك بعد طول الفصل .
والأفضل أن يتابعه على كل جملة عقب فراغ المؤذن منها من غير تأخر ، كما دل عليه حديث معاوية .
ومن زعم من المتأخرين : أنه يجوز الإجابة حتى يفرغ ثم يجيبه ، وزعم أنه لا يسمى مؤذنا حتى يفرغ من أذانه - فقد أبطل ، وقال ما خالف به الأولين والآخرين .
وفي تسميته مؤذنا بعد فراغ أذانه حقيقة - اختلاف أيضا ، فإنه ينقضي الفعل الذي اشتق منه الاسم ، ولو سابق المؤذن في بعض الكلمات .
ففي " تهذيب المدونة " للمالكية : إذا عجل قبل المؤذن بالقول فلا بأس ، والله أعلم .