|
باب إذا حرم طعامه
أي هذا باب يذكر فيه إذا حرم الشخص طعامه بأن قال : طعام كذا أو شراب كذا علي حرام أو قال : نذرت لله أن لا آكل [23/205] كذا أو لا أشرب كذا ، ولم يذكر جواب إذا على عادته . قوله : " طعامه " وروي عن أبي ذر طعاما ، والجواب : ينعقد يمينه وعليه كفارة يمين إذا استباحه لكن إذا حلف وهو الذي ذهب إليه البخاري ، فلذلك أورد حديث الباب لأن فيه : قد حلفت ، وعن أبي حنيفة والأوزاعي كذلك ، ولكن لا يشترط لفظ الحلف . وقال الشافعي : لا شيء عليه في ذلك . وقال مالك : لا يكون الحرام يمينا في طعام ولا شراب إلا في المرأة فإنه يكون طلاقا يحرمها عليه . وروي عن الشافعي كذلك ، رواه الربيع عنه ، وروي عن بعض التابعين أن التحريم ليس بشيء سواء حرم عليه زوجته أو شيئا من ذلك لا يلزمه كفارة في شيء من ذلك ، وبه قال أبو سلمة ومسروق والشعبي . وقوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وقوله : لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ
ذكر هاتين الآيتين إشارة إلى بيان ما ذكره من الترجمة بأن تحريم المباح يمين وفيها الكفارة لكن لفظ الحلف شرط عنده كما ذكرناه ، وسبب نزول الآية الأولى قد مر في كتاب الطلاق في باب " لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ " ، وأورد فيه حديثين عن عائشة رضي الله تعالى عنها وبين فيهما قصة تحريم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مارية التي أهداها إليه المقوقس صاحب إسكندرية والعسل . وذكرنا الاختلاف فيه : هل نزلت الآية في تحريم مارية أو في تحريم العسل ؟ قوله " تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ " أي تطلب رضاهن بتحريم ذلك ، قوله : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ أي قد قدر الله ما تحللون به أيمانكم ، وأصل " تحللة " " تحلة " على وزن تفعلة ، فأدغمت اللام في اللام وهي من المصادر كالترضية والتسمية . قوله : لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ هذا توبيخ لمن فعل ذلك ، فلذلك قال : ولا تعتدوا ، فجعل ذلك من الاعتداء . 65 - حدثنا الحسن بن محمد ، حدثنا الحجاج ، عن ابن جريج ، قال : زعم عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول : سمعت عائشة تزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا ، فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل : إني أجد منك ريح مغافير ، أكلت مغافير ؟ فدخل على إحداهما ، فقالت ذلك له ، فقال : لا ، بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له ، فنزلت يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ، إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ لعائشة وحفصة ، وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا لقوله : بل شربت عسلا . وقال لي إبراهيم بن موسى عن هشام : ولن أعود له وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحدا .
مطابقته للترجمة ظاهرة ، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني ، والحجاج هو ابن محمد المصيصي ، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي ، وعطاء هو ابن أبي رباح ، وعبيد بن عمير كلاهما مصغر . والحديث قد مر في كتاب الطلاق بعين هذا الإسناد والمتن ، ومر الكلام فيه . قوله : " زعم " أي قال ، وكذا معنى " تزعم " أي تقول ، قوله : " أن أيتنا " بالتاء لغة في أينا ، والمشهور بغير التاء . قوله : " مغافير " بالغين المعجمة والفاء جمع مغفور وهو نوع من الصمغ يتحلب عن بعض الشجر حلو كالعسل وله رائحة كريهة ، ويقال أيضا : مغاثير ، بالثاء المثلثة بدل الفاء جمع مغثور كثوم وفوم ، ويقال : المغفور شيء ينضحه شجر العرفط كريه الرائحة ، وقيل : هو حلو كالناطف يحل بالماء ويشرب . وقال أبو عمر : ويقال : أغفر الرمث إذا ظهر ذلك فيه ، وقال الكسائي : خرج الناس يتمغفرون إذا خرجوا يجتنونه من ثمره ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن توجد منه الرائحة لأجل مناجاة الملائكة [23/206] فحرم على نفسه بظن صدقهما ، قال الكرماني : كيف جاز على أزواجه صلى الله عليه وسلم أمثال ذلك ، ثم أجاب بقوله : هو من مقتضيات الغيرة الطبيعية للنساء أو هو صغيرة معفو عنها ، ثم قال : فإن قلت : تقدم في كتاب الطلاق أنه صلى الله تعالى عليه وسلم شرب في بيت حفصة والمتظاهرات هي عائشة وسودة وزينب ؟ قلت : لعل الشرب كان مرتين . قوله : " ولن أعود له " أي قال : والله لا أعود له فلذلك كفره ، قوله : " لعائشة " أي الخطاب لعائشة وحفصة ، قوله : " وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا " لقوله : بل شربت عسلا أي الحديث المسر ، كان ذلك القول قوله . وقال لي إبراهيم بن موسى : وفي رواية أبي ذر : وقال إبراهيم بغير لفظ لي ، وقد تقدم في التفسير بلفظ : حدثنا إبراهيم بن موسى وهو أبو إسحاق الرازي يعرف بالصغير يروي عن هشام بن يوسف ، وصرح به في التفسير ، وقد اختصر هنا بغير السند ، ومراده أن هشاما رواه عن ابن جريج بالسند المذكور والمتن إلى قوله : " ولن أعود " فزاد : وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحدا .
|