باب إثم من لا يفي بالنذر

أي هذا باب في بيان إثم من لا يفي بنذره ، وفي رواية غير أبي ذر : باب من لا يفي بالنذر بدون لفظ إثم .
69 - حدثنا مسدد ، عن يحيى ، عن شعبة ، قال : حدثني أبو جمرة ، حدثنا زهدم بن مضرب، قال : سمعت عمران بن حصين يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خيركم قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم - قال عمران : لا أدري ذكر ثنتين أو ثلاثا بعد قرنه - ثم يجيء قوم ينذرون ولا يفون ، ويخونون ولا يؤتمنون ، ويشهدون ولا يستشهدون ، ويظهر فيهم السمن .

مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " ينذرون ولا يفون " ، و " يحيى " هو القطان ، ويروي عن يحيى بن سعيد بنسبته إلى أبيه ، و" أبو جمرة " بالجيم وبالراء واسمه نصر بن عمران ، و" زهدم " بفتح الزاي والدال بينهما هاء ساكنة ابن مضرب على صيغة اسم الفاعل واسم المفعول أيضا من التضريب بالضاد المعجمة .
والحديث مضى في الشهادات وفي فضائل الصحابة وفي كتاب الرقاق [23/208] في باب ما يحذر من زينة الدنيا ، فإنه أخرجه هناك عن محمد بن بشار عن غندر عن شعبة عن أبي جمرة عن زهدم عن عمران بن حصين .
قوله : " قرني " أي أهل قرني الذين أنا فيهم وهم الصحابة ، قوله : " ثم الذين يلونهم " أي ثم قرن الذين يلون قرني وهم التابعون ، قوله : " ثم الذين يلونهم " وهم أتباع التابعين .
قوله : " ينذرون " بكسر الذال وضمها ، قوله : " ولا يفون " ، وفي رواية الكشميهني : ولا يوفون ، وأصله يوفيون لأنه من أوفي إيفاء استثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى ما قبلها ، فاجتمع ساكنان وهما الياء والواو فحذفت الياء ، فصار يوفون على وزن يفعون ، ولم تحذف الواو لأنها علامة الجمع ، وكذا الكلام في " لا يفون " .
قوله : " ويخونون " أي خيانة ظاهرة حتى لا يؤتمنون أي لا يعتقدونهم أمناء ، قوله : " ويشهدون " أي يتحملون الشهادة بدون التحميل أو يؤدونها بدون الطلب ، وشهادة الحسبة في التحمل خارجة عنه بدليل آخر .
قوله : " ويظهر فيهم السمن " بكسر السين وفتح الميم أي يتكثرون بما ليس فيهم من الشرف أو يجمعون الأموال أو يغفلون عن أمر الدين ؛ لأن الغالب على السمين أن لا يهتم بالرياضة .
والظاهر أنه حقيقة في معناه لكن إذا كان مكتسبا لا خلقيا ، ويقال : معنى " ويظهر فيهم السمن " أنه كناية عن رغبتهم في الدنيا وإيثارهم شهواتها على الآخرة وما أعد الله فيها لأوليائه من الشهوات التي لا تنفد والنعيم الذي لا يبيد ، يأكلون في الدنيا كما تأكل الأنعام ولا يقتدون بمن كان قبلهم من السلف الذين كانت همتهم من الدنيا في أخذ القوت والبلغة وتأخير شهواتهم إلى الآخرة .