[23/209] باب إذا نذر أو حلف أن لا يكلم إنسانا في الجاهلية ثم أسلم

أي هذا باب يذكر فيه إذا نذر شخص أو حلف أن لا يكلم إنسانا في الجاهلية ، وهو ظرف لقوله نذر وهي زمان فترة النبوات يعني قبل بعثه نبينا صلى الله عليه وسلم ، قاله الكرماني .
قوله : " ثم أسلم " أي الناذر ولم يبين حكمه وهو جواب " إذا " ، فإن نقل أحد عن البخاري أنه ممن يوجب ذلك فجواب " إذا " ( يجب ذلك ) ، وإلا يكون جوابه ( يندب ذلك ) .
وقد عقد الطحاوي لهذا الباب ترجمة وهي أحسن من هذه الترجمة وأوضح ، حيث قال : باب الرجل ينذر وهو مشرك نذرا ثم يسلم ، لأن معنى قوله : " في الجاهلية " الذي فسره الكرماني بقوله : " قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم " يستلزم أن يكون حكم المشرك الذي كان بعد البعثة ونذر نذرا ثم أسلم خلاف حكم الذي نذر في الجاهلية ثم أسلم بعد البعثة مع أن حكمهما سواء .
71 - حدثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن ، أخبرنا عبد الله ، أخبرنا عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر أن عمر قال : يا رسول الله ، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ، قال : أوف بنذرك .

مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " أوف بنذرك " لأنه يدل على أن نذر الكافر صحيح فإذا أسلم يلزمه الوفاء به ، وفيه خلاف بين الفقهاء على ما نذكره إن شاء الله تعالى .
وعبد الله هو ابن المبارك المروزي وعبيد الله بن عمر العمري .
والحديث مضى في آخر الاعتكاف ، فإنه أخرجه هناك عن عبيد الله بن إسماعيل عن أبي أسامة عن عبيد الله بن عمر إلخ .
ورواه الطحاوي من ثلاث طرق ، ثم قال : فذهب قوم إلى أن الرجل إذا أوجب على نفسه شيئا في حال شركه من اعتكاف أو صدقة أو شيء مما يوجبه المسلمون لله ثم أسلم أن ذلك واجب عليه ، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار .
قلت : أراد بالقوم هؤلاء طاوسا وقتادة والحسن البصري والشافعي وأحمد وإسحاق وجماعة الظاهرية ، وبه قال ابن حزم ، ثم قال الطحاوي : وخالفهم في ذلك آخرون ، فقالوا : لا يجب عليه في ذلك شيء .
قلت : أراد بالآخرين إبراهيم النخعي والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ، ومحمدا ومالكا والشافعي في قول ، وأحمد في رواية .
واحتجوا في ذلك بحديث عائشة المذكور قبل هذا الباب وبحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : إنما النذر ما ابتغي به وجه الله . رواه الطحاوي عن عبد الله بن وهب في مسنده ، فدل على أن فعل الكافر لم يكن تقربا إلى الله لأنه حين كان يوجبه يقصد به الذي كان يعبده من دون الله وذلك معصية ، فدخل في قوله صلى الله عليه وسلم : لا نذر في معصية الله .
وأما حديث عمر رضي الله تعالى عنه ، فالجواب عنه : إنما أمر به صلى الله تعالى عليه وسلم أن يفعله الآن على أنه طاعة لله عز وجل ، وكان خلاف ما أوجبه به في حال نذره الذي هو معصية ، وقال أبو الحسن القابسي : لم يأمره الشارع على جهة الإيجاب ، وإنما هو على جهة الرأي .
وقيل : أراد صلى الله عليه وسلم أن يعلمهم أن الوفاء بالنذر من آكد الأمور ، فغلظ أمره بأن أمر عمر بالوفاء .
قوله : " قال : يا رسول الله " صلى الله تعالى عليه وسلم ، كأن قوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بعدما قسم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم غنائم حنين بالطائف .
وقال الكرماني : وفي الحديث أن الصوم ليس شرطا لصحة الاعتكاف وهو حجة على الحنفية ، انتهى .
قلت : ذهل الكرماني عن قوله صلى الله عليه وسلم : لا اعتكاف إلا بالصوم .