[3/463] 8 - باب
الدعاء عند النداء
614 - حدثني ابن عياش : ثنا شعيب بن أبي حمزة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من قال حين يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة ، آت محمدا الوسيلة والفضيلة ، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته ، حلت له شفاعتي يوم القيامة )
.

هذا مما تفرد [به] البخاري دون مسلم .
وخرجه الترمذي ، وقال : حسن غريب من حديث ابن المنكدر ، لا نعلم أحدا رواه غير شعيب بن أبي حمزة .
وذكر ابن أبي حاتم ، عن أبيه ، قال : قد طعن في هذا الحديث ، وكان عرض شعيب بن أبي حمزة على ابن المنكدر كتابا ، فأمر بقراءته عليه ، فعرف بعضا وأنكر بعضا ، وقال لابنه - أو لابن أخيه - : اكتب هذه الأحاديث ، فدوَّن شعيب ذلك الكتاب ولم تثبت رواية شعيب تلك الأحاديث على الناس ، وعرض عليّ بعض تلك الكتب [فرأيتها مشابهة] لحديث إسحاق بن أبي فروة ، وهذا الحديث من تلك الأحاديث . انتهى .
وقد روى الأثرم ، عن أحمد ، قال : نظرت في كتب شعيب ، أخرجها إليّ ابنه ، فإذا فيها من الصحة والحسن والمشكل نحو هذا .
[3/464] وقد روي ، عن جابر من وجه آخر بلفظ فيه بعض مخالفة ، وهو يدل على أن لحديث جابر أصلا .
خرجه الإمام أحمد من رواية ابن لهيعة : ثنا أبو الزبير ، عن جابر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من قال حين ينادي المنادي : اللهم ، رب هذه الدعوة التامة والصلاة النافعة ، صل على محمد وارض عنه رضا لا سخط بعده - استجاب الله دعوته " .
وقد روي في هذا المعنى وسؤال الوسيلة عند سماع الأذان من حديث أبي الدرداء ، وابن مسعود - مرفوعا - وفي إسنادهما ضعف
.
ومما يشهد له - أيضا - : حديث خرجه مسلم من طريق كعب بن علقمة ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا علي ؛ فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشرا ، ثم سلوا الله لي الوسيلة ؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة ) .
وعبد الرحمن بن جبير هذا : مولى نافع بن عمرو القرشي المصري ، وظن بعضهم أنه ابن جبير بن نفير ، فوهم ، وقد فرق بينهما البخاري والترمذي وأبو حاتم الرازي وابنه .
وقد روي عن الحسن ، أن هذا الدعاء يشرع عند سماع آخر الإقامة .
روى ابن أبي شيبة : ثنا أبو الأحوص ، عن أبي حمزة ، عن الحسن ، قال : إذا قال المؤذن : ( قد قامت الصلاة ) ، فقل : اللهم ، رب هذه الدعوة [3/465] التامة والصلاة القائمة ، أعط محمدا سؤله يوم القيامة . فلا يقولها رجل حين يقيم المؤذن إلا أدخله الله في شفاعة محمد يوم القيامة .
وروى ابن السني في كتاب " عمل اليوم والليلة " من رواية عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ، عن عطاء بن قرة ، عن عبد الله بن ضمرة ، عن أبي هريرة ، أنه كان يقول إذا سمع المؤذن يقيم : اللهم رب هذه الدعوة التامة وهذه الصلاة القائمة ، صل على محمد وآته سؤله يوم القيامة .
وهذه الآثار تشهد للمنصوص عند أحمد ، أنه يدعو عند الإقامة ، كما سبق عنه .
وقوله : ( من قال حين يسمع النداء ) : ظاهره أنه يقول ذلك في حال سماع النداء ، قبل فراغه . ويحتمل أنه يريد به حين يفرغ من سماعه .
وحديث عبد الله بن عمرو صريح في أنه يسأل الوسيلة بعد إجابة المؤذن والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وهذا هو الأظهر ؛ فإنه يشرع قبل جميع الدعاء تقديم الثناء على الله والصلاة على رسوله ، ثم يدعو بعد ذلك .
وقوله : ( اللهم رب هذه الدعوة التامة ) .
والمراد بالدعوة التامة : دعوة الأذان ؛ فإنها دعاء إلى أشرف العبادات ، والقيام في مقام القرب والمناجاة ؛ فلذلك كانت دعوة تامة ، أي : كاملة لا نقص فيها ، بخلاف ما كانت دعوات أهل الجاهلية : إما إلى استنصار على عدو ، أو إلى نعي ميت ، أو إلى طعام ، ونحو ذلك مما هو ظاهره النقص والعيب .
وروى أبو عيسى الأسواري ، قال : كان ابن عمر إذا سمع الأذان قال : اللهم رب هذه الدعوة المستجابة المستجاب لها ، دعوة الحق وكلمة التقوى ، [3/466] فتوفني عليها ، وأحيني عليها ، واجعلني من صالح أهلها عملا يوم القيامة .
وقد روي عن ابن عمر - موقوفا - من وجوه أخر .
وروي عنه مرفوعا من وجه ضعيف .
قال الدارقطني : الصحيح موقوف
.
وخرج بقي بن مخلد والحاكم من حديث عفير بن معدان ، عن [ سليم بن عامر ، عن] أبي أمامة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا نادى المنادي فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء ، فمن نزل به كرب أو شدة فليتحين المنادي إذا نادى ، فليقل مثل مقاله ، ثم ليقل : اللهم ، رب هذه الدعوة التامة الصادقة الحق المستجابة ، المستجاب لها ، دعوة الحق وكلمة التقوى ، أحينا عليها ، وأمتنا عليها ، وابعثنا عليها ، واجعلنا من خيار أهلها محيا ومماتا . ثم يسأل حاجته ) .
وعفير ، ضعيف جدا
.
وقوله : ( والصلاة القائمة ) - أي : التي ستقوم وتحضر .
وقد خرج البيهقي حديث جابر ، ولفظه : ( اللهم إني أسالك بحق هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ) .
وهذا اللفظ لا إشكال فيه ؛ فإن الله سبحانه جعل لهذه الدعوة وللصلاة حقا كتبه على نفسه ، لا يخلفه لمن قام بهما من عباده ، فرجع الأمر إلى السؤال بصفات الله وكلماته .
ولهذا استدل الإمام أحمد على أن القرآن ليس بمخلوق باستعاذة النبي - صلى الله عليه وسلم - بكلمات الله التامة ، وقال : إنما يستعاذ بالخالق لا بالمخلوق .
وأما رواية من روى : ( اللهم ، رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ) ، كما [3/467] هي رواية البخاري والترمذي وغيرهما ، فيقال : كيف جعل هذه الدعوة مربوبة ، مع أن فيها كلمة التوحيد ، وهي من القرآن ، والقرآن غير مربوب ولا مخلوق ؟
وبهذا فرق مَنْ فرق من أهل السنة بين أفعال الإيمان وأقواله ، فقال : أقواله غير مخلوقة ، وأفعاله مخلوقة ؛ لأن أقواله كلها ترجع إلى القرآن ؟
وأجيب عن هذا بوجوه :
منها : أن المربوب هو الدعوة إلى الصلاة خاصة ، وهو قوله : ( حي على الصلاة ، حي على الفلاح ) ، وليس ذلك في القرآن ، ولم يرد به التكبير والتهليل . وفيه بعد .
ومنها : أن المربوب هو ثوابها . وفيه ضعف .
ومنها : أن هذه الكلمات من التهليل والتكبير هي من القرآن بوجه ، وليست منه بوجه ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الكلام بعد القرآن أربع ، وهن من القرآن : سبحان الله ، والحمد الله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ) .
فهي من القرآن إذا وقعت في أثناء القرآن ، وليست منه إذا وقعت في كلام خارج عنه ، فيصح أن تكون الكلمات الواقعة من ذلك في ضمن ذلك مربوبة .
وقد كره الإمام أحمد أن يؤذن الجنب ، وعلل بأن في الأذان كلمات من القرآن .
والظاهر : أن هذا على كراهة التنزيه دون التحريم .
ومن الأصحاب من حمله على التحريم ، وفيه نظر ؛ فإن الجنب لا يمنع من قول : " سبحان الله ، والحمد الله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر " على وجه الذكر ، دون التلاوة .
وسئل إسحاق عن الجنب : يجيب المؤذن ؟ قال : نعم ؛ لأنه ليس بقرآن .
[3/468] ومنها : أن الرب ما يضاف إليه الشيء ، وإن لم يكن خلقا له ، كرب الدار ونحوه ، فالكلام يضاف إلى الله ؛ لأنه هو المتكلم به ، ومنه بدأ ، وإليه يعود ، فهذا بمعنى إضافته إلى [ربوبية] الله .
وقد صرح بهذا المعنى الأوزاعي ، وقال فيمن قال ( برب القرآن ) : إن لم يرد ما يريد الجهمية فلا بأس .
يعني : إذا لم يرد بربوبيته خلقه كما يريده الجهمية ، بل أراد إضافة الكلام إلى المتكلم به .
وقوله : ( آت محمدا الوسيلة ) ، قد تقدم حديث عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( ثم سلوا الله لي الوسيلة ؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو ) .
وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( سلوا الله لي الوسيلة ) . قالوا : يا رسول الله ، ما الوسيلة ؟ قال : ( أعلى درجة في الجنة ، لا ينالها إلا رجل واحد ، أرجو أن أكون أنا ) .
ولفظ الإمام أحمد : ( إذا صليتم علي فسلوا الله لي الوسيلة ) - وذكر باقيه .
وخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الوسيلة درجة عند الله عز وجل ليس فوقها درجة ، فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة ) .
وأما ( الفضيلة ) ، فالمراد - والله أعلم - : إظهار فضيلته على الخلق أجمعين يوم القيامة وبعده ، وإشهاد تفضيله عليهم في ذلك الموقف ، كما قال : ( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ) ، ثم ذكر حديث الشفاعة .
[3/469] وقوله : ( وابعثه مقاما محمودا ) ، هكذا في رواية البخاري وأبي داود والترمذي والنسائي وغيرهم .
وعزا بعضهم إلى النسائي ، أنه رواه بلفظ : ( المقام المحمود ) بالتعريف ، وليس كذلك .
[وكذلك] وقعت هذه اللفظة بالألف واللام في بعض طرق روايات الإسماعيلي في ( صحيحه ) .
ووجه الرواية المشهورة : أن ذلك متابعة للفظ القرآن ، فهو أولى ، وعلى هذا فلا يكون ( الذي وعدته ) صفة ؛ لأن النكرة لا توصف بالمعرفة وإن تخصصت ، وإنما تكون بدلا ، لأن البدل لا يشترط أن يطابق في التعريف والتنكير ، أو يكون منصوبا بفعل محذوف تقديره : ( أعني : الذي وعدته ) ، أو يكون مرفوعا خبر مبتدأ محذوف ، أي ( هو الذي وعدته ) .
و ( المقام المحمود ) : فسر بالشفاعة .
وقد روي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس وغيرهم .
وفسر : بأنه يدعى يوم القيامة ليكسى حلة خضراء ، فيقوم عن يمين العرش مقاما لا يقدمه أحد ، فيغبطه به الأولون والآخرون .
[3/470] وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث ابن مسعود ، ونحوه من حديث كعب بن مالك - أيضا - وكذا روي عن حذيفة - موقوفا ، ومرفوعا .
وهذا يكون قبل الشفاعة .
وفسره مجاهد وغيره بغير ذلك .
وقوله : ( حلت له شفاعتي ) . قيل : معناه نالته وحصلت له ووجبت .
وليس المراد بهذه الشفاعة : الشفاعة في فصل القضاء ؛ فإن تلك عامة لكل أحد . ولا الشفاعة في الخروج من النار ، ولا بد ؛ فإنه قد يقول ذلك من لا يدخل النار .
وإنما المراد - والله أعلم - : أنه يصير في عناية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحيث تتحتم له شفاعته ؛ فإن كان ممن يدخل النار بذنوبه شفع له [في] إخراجه منها ، أو في منعه من دخولها . وإن لم يكن من أهل النار فيشفع له في دخوله الجنة بغير حساب ، أو في رفع درجته في الجنة .
وقد سبقت الإشارة إلى أنواع شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - في ( كتاب التيمم ) .