باب قول الله تعالى : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
متى تجب الكفارة على الغني والفقير ؟


أي هذا باب في ذكر قول الله عز وجل قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ الآية ، وفي بعض النسخ : باب متى تجب الكفارة على الغني والفقير ، وقول الله عز وجل : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ إلى قوله : الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ كذا في رواية أبي ذر ، ولغيره : باب قول الله وساقوا الآية وبعدها ، متى تجب الكفارة على الغني والفقير كما في نسختنا ، وقد سقط ذكر الآية عند البعض ، وقال الكرماني : المناسب أن يذكر هذه الآية في أول الباب الذي قبله .
قلت : الأنسب أن يذكر في التفسير في سورة التحريم قوله : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ أي قد بين الله لكم تحلة أيمانكم أي تحليلها بالكفارة .
2 - حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان ، عن الزهري قال : سمعته من فيه ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : هلكت ، قال صلى الله عليه وسلم : وما شأنك ؟ قال : وقعت على امرأتي في رمضان ، قال : تستطيع أن تعتق رقبة ؟ قال : لا ، قال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال : لا ، قال : فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا ؟ قال : لا ، قال : اجلس . فجلس ، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر والعرق المكتل الضخم ، قال : خذ هذا ، فتصدق به ، قال : أعلى أفقر مني ؟ فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ، قال : أطعمه عيالك .

مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعلي بن عبد الله هو ابن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة ، والزهري محمد بن مسلم ، وحميد بضم الحاء ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري .
والحديث أخرجه الجماعة ، وأخرجه البخاري في مواضع في الصوم عن أبي اليمان ، وفي الهبة والنذور عن محمد بن محبوب ، وفي الأدب عن موسى بن إسماعيل وعن القعنبي وعن محمد بن مقاتل ، وفي النفقات عن أحمد بن يونس ، وفي المحاربين عن قتيبة ، ومضى الكلام فيه في الصوم .
قوله : " سمعته من فيه " أي قال سفيان : سمعته من فم الزهري ، وغرضه أنه ليس معنعنا موهما للتدليس ، قوله : " جاء رجل " ، قيل : اسمه سلمة بن صخر البياضي ، قوله : " هلكت " يريد بما وقع فيه من الإثم ، وقد يقال : إنه واقع متعمدا ، وفي الناسي خلاف فمذهب مالك أنه لا كفارة عليه خلافا لابن الماجشون .
قوله : " وما شأنك ؟ " أي : وما حالك ، وما جرى عليك ؟ قوله : " تستطيع أن تعتق رقبة " احتج به أبو حنيفة والشافعي على أن كفارة الوقاع مرتبة وهو أحد قولي ابن حبيب ، وعن مالك في المدونة : لا أعرف غير الإطعام .
وقال الحسن البصري : عليه عتق رقبة أو هدي بدنة أو عشرون صاعا لأربعين مسكينا ، قوله : " فأتي " على صيغة المجهول بعرق بفتح العين المهملة والراء القفة المنسوجة من الخوص ، قوله : " المكتل " بكسر الميم الزنبيل الذي يسع خمسة عشر صاعا ، وأكثر قوله : " أعلى أفقر مني ؟ " ، ويروى : منا ، والهمزة في أعلى للاستفهام .
قوله : " حتى بدت " أي ظهرت نواجذه بالذال المعجمة آخر الأسنان وأولها الثنايا ثم الرباعيات ثم الأنياب ثم الضواحك ثم الأرحاء ثم النواجذ .
وقال الأصمعي : النواجذ الأضراس وهو ظاهر الحديث ، وقال غيره : هي الضواحك ، وقال ابن فارس : الناجذ السن بين الأنياب والضرس ، وقيل : الأضراس كلها النواجذ ، وقيل : سبب ضحكه وجوب الكفارة على هذا المجامع وأخذه ذلك صدقة وهو غير آثم ، قيل : هذا مخصوص به ، وقيل : منسوخ .