|
باب الكفارة قبل الحنث وبعده
أي هذا باب في بيان جواز الكفارة قبل الحنث وبعده ، واختلف العلماء في جواز الكفارة قبل الحنث ، فقال ربيعة ومالك والثوري والليث والأوزاعي : تجزئ قبل الحنث ، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور ، وروي مثله عن ابن عباس وعائشة وابن عمر . وقال الشافعي : يجوز تقديم الرقبة والكسوة والطعام قبل الحنث ولا يجوز تقديم الصوم ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا تجزئ الكفارة قبل الحنث ، وقال صاحب التوضيح : لا سلف لأبي حنيفة فيه ، واحتج له الطحاوي بقوله تعالى : ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ والمراد إذا حلفتم وحنثتم . قلت : أبو حنيفة ما انفرد بهذا ، وقال به أيضا أشهب من المالكية وداود الظاهري وصاحب التوضيح ما يقول فيما ذهب إليه الشافعي ، وهو أن الكفارة اسم لجميع أنواعها فبعد الحنث حمل اللفظ على جميعها ، وقبل الحنث خصص اللفظ ببعضها ، فترك الظاهر من ثلاثة أوجه : أحدها تسميتها كفارة وليس هناك ما يكفر ، والثاني : صرف الأمر عن الوجوب إلى الجواز ، والثالث : تخصيص الكفارة ببعض الأنواع . 14 - حدثنا علي بن حجر ، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن أيوب ، عن القاسم التميمي ، عن زهدم الجرمي قال : كنا عند أبي موسى ، وكان بيننا وبين هذا الحي من جرم إخاء ومعروف ، وقال : فقدم طعام ، قال : وقدم في طعامه لحم دجاج ، قال : وفي القوم رجل من بني تيم الله أحمر كأنه مولى ، قال : فلم يدن ، فقال له أبو موسى : ادن فإني قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل منه ، قال : إني رأيته يأكل شيئا قذرته فحلفت أن لا أطعمه أبدا ، فقال : أدن أخبرك عن ذلك ، أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من الأشعريين أستحمله وهو يقسم نعما من نعم الصدقة ، قال أيوب : أحسبه قال : وهو غضبان ، قال : والله لا أحملكم وما عندي [23/226] ما أحملكم ، قال : فانطلقنا ، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهب إبل ، فقيل : أين هؤلاء الأشعريون ؟ أين هؤلاء الأشعريون ؟ فأتينا فأمر لنا بخمس ذود غر الذرى ، قال : فاندفعنا ، فقلت لأصحابي : أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نستحمله فحلف أن لا يحملنا ، ثم أرسل إلينا فحملنا ، نسي رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه ، والله لئن تغفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه لا نفلح أبدا ، ارجعوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلنذكره يمينه ، فرجعنا فقلنا : يا رسول الله ، أتيناك نستحملك فحلفت أن لا تحملنا ثم حملتنا ، فظننا أو فعرفنا أنك نسيت يمينك ، قال : انطلقوا فإنما حملكم الله إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها .
هذا الحديث لا يدل إلا على أن الكفارة بعد الحنث ، فحينئذ لا تكون المطابقة بينه وبين الترجمة إلا في قوله : " وبعده " ، أي وبعد الحنث ، وكذلك الحديث الآخر الذي يأتي في هذا الباب لا يدل إلا على أن الكفارة بعد الحنث ، ولم يذكر شيئا في هذا الباب يدل على أن الكفارة قبل الحنث أيضا ، فكأنه اكتفى بما ذكره قبل هذا الباب عن أبي النعمان عن حماد . وهذا الحديث قد مر في مواضع كثيرة في فرض الخمس عن عبد الله بن عبد الوهاب ، وفي المغازي عن أبي نعيم ، وفي الذبائح عن أبي معمر وعن يحيى عن وكيع ، وفي النذور عن أبي معمر وعن قتيبة ، وسيأتي في التوحيد عن عبد الله بن عبد الوهاب ، ومضى أكثر الكلام في شرحه في باب لا تحلفوا بآبائكم . وعلي بن حجر بضم الحاء المهملة وسكون الجيم وبالراء السعدي ، مات سنة أربع وأربعين ومائتين ، وإسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية اسم أمه ، وأيوب هو السختياني ، والقاسم بن عاصم التميمي ، وزهدم بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الدال المهملة الجرمي بفتح الجيم وسكون الراء ، وأبو موسى هو عبد الله بن قيس الأشعري . قوله : " وكان بيننا وبين هذا الحي " إلى قوله : " أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم " من كلام زهدم مع تخلل بعض القول عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه ، لا يخفى على الناظر المتأمل ذلك . وفي رواية الكشميهني : وكان بيننا وبينهم هذا الحي ، قال الكرماني : الظاهر أن يقال بينه يعني أبا موسى كما تقدم في باب لا تحلفوا بآبائكم ، حيث قال : كان بين هذا الحي من جرم وبين الأشعريين ، ثم قال : لعله جعل نفسه من أتباع أبي موسى كواحد من الأشاعرة ، وأراد بقوله بيننا أبا موسى وأتباعه الحقيقية والادعائية . قوله : " إخاء " بكسر الهمزة وبالخاء المعجمة وبالمد أي صداقة ، قوله : " ومعروف " أي إحسان وبر ، قوله : " فقدم طعام " هكذا في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : فقدم طعامه أي وضع بين يديه . قوله : " رجل من بني تيم الله " هو اسم قبيلة يقال لهم أيضا تيم اللات ، وهم من قضاعة . قوله : " أحمر " صفة رجل أي لم يكن من العرب الخلص ، قوله : " كأنه مولى " قد تقدم في فرض الخمس كأنه من الموالي ، قوله : " فلم يدن " أي فلم يقرب إلى الطعام . قوله : " ادن " بضم الهمزة وسكون الدال أمر من دنا يدنو . قوله : " قذرته " بكسر الذال المعجمة وفتحها أي كرهته لأنه كان من الجلالة ، قوله : " أخبرك " مجزوم لأنه جواب الأمر ، قوله : " عن ذلك " أي عن الطريق في حل اليمين . قوله : " أستحمله " أي أطلب منه ما نركبه ، قوله : " نعما " بفتح النون والعين المهملة ، قوله : " قال أيوب " هو السختياني أحد الرواة ، قوله : " والله لا أحملكم " قال القرطبي : فيه جواز اليمين عند المنع ورد السائل الملحف . قوله : " بنهب " بفتح النون وسكون الهاء بعدها باء موحدة ، وأراد به الغنيمة . قوله : " بخمس ذود " قد مر تفسيره عن قريب ، وقد مر في المغازي : بستة أبعرة ، ولا منافاة إذ ذكر القليل لا ينفي الكثير . قوله : " غر الذرى " أي بيض الأسنمة ، و" الغر " بضم الغين المعجمة وتشديد الراء جمع أغر أي أبيض ، و" الذرى " بضم الذال المعجمة وفتح الراء المخففة جمع ذروة ، وذروة الشيء أعلاه وأراد بها السنام . قوله : " فاندفعنا " أي سرنا مسرعين ، والدفع السير بسرعة . قوله : " والله لئن تغفلنا " أي لئن طلبنا غفلته في يمينه [23/227] من غير أن نذكره لا نفلح أبدا ، وفي رواية عبد الوهاب وعبد السلام ، فلما قبضناها قلنا : تغفلنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، لا نفلح أبدا . وفي رواية حماد : فلما انطلقنا قلنا : ما صنعنا ؟ لا يبارك لنا ولم يذكر النسيان ، وفي رواية غيلان : لا يبارك الله لنا . وخلت رواية يزيد عن هذه الزيادة كما خلت عما بعدها إلى آخر الحديث . قوله : " فلنذكره " من الإذكار أو من التذكير أي فلنذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه ، قوله : " أو فعرفنا " شك من الراوي . قوله : " لا أحلف على يمين " أي محلوف يمين ، فأطلق عليه لفظ يمين للملابسة ، وقال ابن الأثير : أطلق اليمين ، فقال : أحلف أي أعقد شيئا بالعزم والنية . وقوله : " على يمين " تأكيد لعقده وإعلام بأنه ليس لغوا ، قوله : " غيرها " يرجع الضمير لليمين المقصود منها المحلوف عليه مثل الخصلة المفعولة أو المتروكة ؛ إذ لا معنى لإطلاق إلا أحلف على الحلف ، قوله : " وتحللتها " أي كفرتها . وفيه حجة للحنفية ، قال الكرماني : الحنث معصية ، ثم قال : لا خلاف في أنه إذا أتى بما هو خير من المحلوف عليه لا يكون معصية . تابعه حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة والقاسم بن عاصم الكليبي .
أي تابع إسماعيل بن إبراهيم الذي يقال له ابن علية حماد بن زيد وهو مرفوع بالفاعلية في روايته عن أيوب السختياني ، عن أبي قلابة بكسر القاف عبد الله بن زيد الجرمي ، والقاسم بن عاصم والقاسم مجرور لأنه عطف على أبي قلابة ، يعني أن أيوب روى عنهما جميعا . والكليبي بضم الكاف وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف وبالباء الموحدة نسبة إلى كليب بن حبشية في خزاعة ، وإلى كليب بن وائل في تغلب ، وإلى كليب بن يربوع في تميم ، وإلى كليب بن ربيعة في نخع . وقال الكرماني : هذا يحتمل التعليق ، وقال بعضهم : كلامه هذا يستلزم عدم التعليق ، وليس كذلك بل هو في حكم التعليق . قلت : لا يحتاج إلى هذا الكلام ، بل هذه متابعة وقعت في الرواية عن القاسم ، ولكن حمادا ضم إليه أبا قلابة . حدثنا قتيبة ، حدثنا عبد الوهاب ، عن أيوب ، عن أبي قلابة والقاسم التميمي ، عن زهدم بهذا .
هذا طريق آخر في الحديث المذكور أخرجه عن قتيبة بن سعيد ، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ، عن أيوب السختياني . . إلخ . وقد مر هذا في باب لا تحلفوا بآبائكم ، وسيجيء أيضا في كتاب التوحيد عن عبد الله بن عبد الوهاب قوله بهذا أي بجميع الحديث . حدثنا أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا أيوب ، عن القاسم ، عن زهدم بهذا .
هذا طريق آخر أخرجه عن أبي معمر بفتح الميمين عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج التميمي المقعد البصري ، عن عبد الوارث بن سعيد . روايته عن أيوب إلى آخره ، وقد مضى هذا في كتاب الذبائح ، وقال الكرماني : لم قال أولا تابعه وثانيا وثالثا حدثنا ؟ ثم أجاب بأنه أشار إلى أن الأخيرين حدثاه بالاستقلال ، والأول مع غيره بأن قال هو كذلك أو صدقة أو نحوه ، قلت : قال بعضهم : لم يظهر لي معنى قوله : " مع غيره " ، قلت : معناه أنه سمع غيره يذكر هذا الحديث وصدقه هو أو قال هو كذلك بخلاف قوله : " حدثنا " في الموضعين لأنه سمعه فيهما استقلالا بنفسه ، وفي نفس الأمر هذا كله كلام حشو لأن الأول متابعة ظاهرا والأخيرين تحديثه إياهما ظاهرا .
|