باب إثم من تبرأ من مواليه

أي هذا باب في بيان إثم من تبرأ من مواليه بأن نفى كونه من موالي فلان أو والى غيره ، وروى أحمد في مسنده من طريق سهل بن معاذ بن أنس ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال : إن لله عبادا لا يكلمهم الله . . الحديث ، وفيه : رجل أنعم عليه قوم فكفر نعمتهم وتبرأ منهم .
32 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه قال : قال علي رضي الله عنه : ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله غير هذه الصحيفة ، قال : فأخرجها فإذا فيها أشياء من الجراحات وأسنان الإبل ، قال : وفيها المدينة حرام ما بين عير إلى ثور ، فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل ، ومن والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل ، وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل .

مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " ومن والى قوما " إلى قوله : " وذمة المسلمين " ، فإن قلت : الترجمة مطلقة ، والحديث : ومن والى قوما بغير إذن مواليه ، فإن المفهوم منه أنه إذا والى بإذنهم لا يأثم ولا يكون متبرءا .
قلت : ليس هذا لتقييد الحكم وإنما هو إيراد الكلام على الغالب ، وقيل : هو للتأكيد لأنه إذا استأذن مواليه في ذلك منعوه .
وجرير هو ابن عبد الحميد ، والأعمش هو سليمان ، وإبراهيم التيمي هو إبراهيم بن يزيد من الزيادة ابن شريك التيمي تيم الرباب ، وليس هو إبراهيم بن يزيد بن الأسود بن عمرو ، وقيل : ابن عمر بن يزيد بن الأسود بن عمر ، وأبو عمران النخعي الكوفي ، وإبراهيم التيمي يروي عن أبيه يزيد بن شريك بن طارق التيمي ، عداده في أهل الكوفة ، سمع علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة .
والحديث مضى في الحج عن محمد بن بشار ، وفي الجزية عن محمد بن وكيع ، وسيجيء في الاعتصام عن عمر بن حفص .
قوله : " غير هذه الصحيفة " حال [23/255] أو هو استثناء آخر ، وحرف العطف مقدر كما في التحيات المباركات الصلوات ، تقديره : والصلوات .
قوله : " أشياء " جمع شيء ، وهو لا ينصرف .
قال الكسائي : تركوا صرفه لكثرة استعماله .
قوله : " من الجراحات " أي من أحكام الجراحات وأسنان الإبل الديات ، قوله : " حرام " ويروى حرم ، قوله : " عير " بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالراء وهو اسم جبل بالمدينة ، قوله : " إلى ثور " بفتح الثاء المثلثة .
وقال القاضي عياض : أما ثور بلفظ الحيوان المشهور ، فمنهم من ترك مكانه بياضا لأنهم اعتقدوا أن ذكر ثور خطأ ؛ إذ ليس في المدينة موضع يسمى ثورا ، ومنهم من كنى عنه بلفظ كذا ، وقيل : الصحيح أن بدله أحد أي عير إلى أحد .
وقيل : إن ثورا كان اسما لجبل هناك ، إما أحد أو غيره ، فخفي اسمه .
قوله : " حدثا " بفتحتين وهو الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة ، قوله : " أو أوى " القصر في اللازم والمد في المتعدي ، قوله : " محدثا " بكسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول ، فمعنى الكسر من نصر جانبا وآواه وأجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يقتص منه .
ومعنى الفتح هو الأمر المبتدع نفسه ، ويكون معنى الإيواء فيه الرضا به والصبر عليه ، فإنه إذا رضي ببدعته وأقر فاعلها عليها ولم ينكرها فقد آواه .
قوله : " لعنة الله " المراد باللعنة البعد عن الجنة التي هي دار الرحمة في أول الأمر لا مطلقا ، قوله : " صرف " الصرف الفريضة والعدل النافلة ، وقيل : بالعكس ، وقيل : الصرف التوبة والعدل الفدية ، قوله : " من والى قوما " أي اتخذهم أولياء له .
قوله : " بغير إذن مواليه " قد مر الكلام فيه الآن ، قوله : " وذمة المسلمين " المراد بالذمة العهد والأمان يعني أمان المسلم للكافر صحيح ، والمسلمون كنفس واحدة فيه .
قوله : " أدناهم " أي مثل المرأة والعبد ، فإذا أمن أحدهم حربيا لا يجوز لأحد أن ينقض ذمته ، قوله : " ومن أخفر " بالخاء المعجمة والفاء أي من نقض عهده ، يقال : خفرته أي كنت له خفيرا أمنعه وأخفرته أيضا .
وفيه جواز لعنة أهل الفسق من المسلمين ومن تبرأ من مواليه لم تجز شهادته وعليه التوبة والاستغفار لأن الشارع لعنه ، وكل من لعنه فهو فاسق .