الحديث الثالث : 620 - ثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن بلالا ينادي بليل ، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم ) .

كذا خرج في ( الموطأ ) هذا الحديث . وخرجه الإسماعيلي في ( صحيحه ) من طرق عن مالك .
وخرجه من طريق عبد الله بن يوسف ، وزاد فيه : وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى ، لا ينادي حتى يقال له : أصبحت ، أصبحت .
وزعم أن تخريج هذا الحديث في ( باب : أذان الأعمى ) كان أولى ؛ لأنه زعم أن هذه الزيادة فيه من قول ابن عمر ومالك مدرجة .
وهذا الذي قاله ليس بشيء ، وهذه الزيادة في حديث عبد الله بن دينار ما أراها محفوظة عن مالك بالكلية ، والظاهر أن بعض الرواة اشتبه عليه حديث عبد الله بن دينار بحديث سالم المتقدم . والله أعلم .
وقد رواه أيضا شعبة ، عن عبد الله بن دينار ، بدون هذه الزيادة أيضا .

وقد روي عن مالك بهذه الزيادة من وجه آخر : رواه حرملة ، عن ابن وهب والشافعي ، كلاهما عن مالك ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، أن [3/508] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن بلالا يؤذن بليل ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ) ، وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى ، لا ينادي حتى يقال : أصبحت ، أصبحت .
خرجه الطبراني ، وذكر أنه تفرد به حرملة ، ولا يرويه عن مالك غير الشافعي وابن وهب ، وعنده : أن هذه الزيادة في آخره من رواية الشافعي وحده .
وذكر ابن أبي حاتم أن أباه حدثه عن حرملة ، عن ابن وهب وحده بهذه الزيادة ، وقال : قال أبي : هذا منكر بهذا الإسناد .

وبكل حال ؛ فتحمل صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - عقب الأذان على أذان ابن أم مكتوم الثاني ، إلا أن في حديث عائشة ما يدل على [أنه] الأذان الأول في عدة روايات ، فيحمل ذلك على أنه كان يصلي بين الأذانين إذا تبين له الفجر قبل أذان ابن أم مكتوم ، بدليل رواية من روى أنه كان يصلي إذا سكت المؤذن وتبين له الفجر .
وقد روى جعفر بن ربيعة ، عن عراك بن مالك ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ركعتين بين النداءين ، لم يكن يدعهما أبدا .
خرجه البخاري .
والمراد : بين النداء والإقامة .
وقد رواه يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، وذكر في حديثه : أنه كان يصلي ركعتي الفجر بين الأذان والإقامة ، كما سبق .
[3/509] فتعين حمل ذلك على الأذان الثاني ، ولا بد .
وقد روى بعضهم حديث عراك ، وزاد فيه بعد قوله : يصلي ركعتين بين النداءين : ( جالسا ) .
خرجه أبو داود .
ولفظة : ( جالسا ) غير محفوظة .

وإنما كان يصلي ركعتين جالسا بعد وتره ، كذلك رواه يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة .
ومما يدل على هذا - أيضا - : حديث ابن عمر المخرج في ( الصحيحين ) من طريق أنس بن سيرين ، عنه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الركعتين قبل صلاة الغداة ، كأن الأذان بأذنيه .
زاد البخاري : قال حماد بن زيد : أي : بسرعة .
وروى الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي [ركعتي] الفجر إذا سمع الأذان ويخففهما .
خرجه النسائي .
وقال : هذا حديث منكر .
قلت : نكارته من قبل إسناده ، وروايات الأعمش عن حبيب فيها منكرات ؛ فإن حبيب بن أبي ثابت إنما يروي هذا الحديث عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، عن أبيه ، عن جده .

[وخرج أبو داود ] من حديث كريب ، عن الفضل بن عباس - أنه نام [3/510] ليلة عند النبي - صلى الله عليه وسلم - لينظر كيف صلاته ، [فذكر صلاته] ووتره ، ثم قام فنادى المنادي عند ذلك ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدما سكت المؤذن ، فصلى ركعتين خفيفتين ، ثم جلس حتى صلى الصبح .
فهذه الأحاديث المخرجة في هذا الباب كلها ليس فيها دلالة صريحة على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يؤذن له إلا بعد طلوع الفجر ، وغاية ما يدل بعضها على أنه كان يؤذن له بعد طلوع الفجر ، وذلك لا ينفي أن يكون قد أذن قبل الفجر أذان أول .
والأحاديث التي فيها أن بلالا كان لا يؤذن إلا بعد طلوع الفجر أسانيدها غير قوية ، ويمكن أن تحمل - على تقدير ثبوتها - على أنه كان يؤذن بعد طلوع الفجر الأول ، وقبل طلوع الفجر الثاني .
ويدل على ذلك : ما روى ابن وهب ، قال : حدثني سالم بن غيلان ، أن سليمان بن أبي عثمان التجيبي حدثه ، عن حاتم بن عدي الحمصي ، عن أبي ذر ، أنه صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة - فذكر الحديث - قال : ثم أتاه بلال للصلاة ، فقال : ( أفعلت ؟ ) فقال : نعم . قال : ( إنك يا بلال مؤذن إذا كان الصبح ساطعا في السماء ، وليس ذلك الصبح ، إنما الصبح هكذا إذا كان معترضا ) ، ثم دعا بسحوره فتسحر .
خرجه بقي بن مخلد في ( مسنده ) ويونس بن يعقوب القاضي في ( كتاب الصيام ) .
وخرجه الإمام أحمد - بمعناه من رواية رشدين بن سعد ، عن عمرو بن الحارث ، عن سالم بن غيلان . ومن طريق ابن لهيعة ، عن سالم بن غيلان - أيضا .
[3/511] وقد اختلف في هذا الإسناد :
فقال البخاري في ( تاريخه ) : هو إسناد مجهول .
وقال الدارقطني - فيما نقله عنه البرقاني - في هؤلاء الثلاثة : سالم وسليمان وحاتم : مصريون متروكون ، وذكر أن رواية حاتم ، عن أبي ذر لا تثبت .
وخالفه في ذلك آخرون :
أما حاتم ، فقال العجلي : تابعي حمصي شامي ، ثقة .
وأما سليمان بن أبي عثمان التجيبي ، فقال أبو حاتم الرازي : هو مجهول .
وأما سالم بن غيلان ، فمشهور ، روى عنه جماعة من أهل مصر . وقال أحمد وأبو داود والنسائي : لا بأس به . وقال ابن خراش : صدوق ، وقال ابن حبان : ثقة .
فلم يبق من هؤلاء من لا يعرف حاله سوى سليمان بن أبي عثمان .
وقد عضد هذا الحديث : ما خرجه مسلم في ( صحيحه ) من حديث سمرة بن جندب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا هذا البياض - لعمود الصبح - حتى يستطير ) .
وحديث ابن مسعود ، وقد خرجه البخاري في الباب الآتي
.
وفي النهي عن الأذان قبل الفجر أحاديث أخر ، لا تصح :
فروى جعفر بن برقان ، عن شداد مولى عياض بن عامر ، عن بلال ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر هكذا ) ، ومد يديه عرضا .
[3/512] خرجه أبو داود .
وقال : شداد لم يلق بلالا .
قال أبو بكر الأثرم : هو إسناد مجهول منقطع .
يشير إلى جهالة شداد ، وأنه لم يلق بلالا
.
وقد خرجه أبو نعيم في ( كتاب الصلاة ) : ثنا جعفر بن برقان ، عن شداد مولى عياض ، قال : بلغني أن بلالا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكره .
وروى [ أبو داود ، عن] حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن بلالا أذن بليل ، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينادي : ألا إن العبد نام .
وقال : تفرد به حماد .
وذكر أن الدراوردي روى عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : كان لعمر مؤذن ، يقال له : مسروح - فذكر نحوه .
وقال : هذا أصح من ذاك .
يعني : أنه موقوف على عمر ، وأن حماد بن سلمة وهم في رفعه .
وحكى الترمذي عن علي بن المديني ، أنه قال : هو غير محفوظ ، وأخطأ فيه حماد بن سلمة .
وكذا قال الترمذي : هو غير محفوظ .
وكذلك أنكره الإمام أحمد على حماد .
وقال أبو حاتم الرازي : حديث حماد خطأ . والصحيح : عن نافع ، عن [3/513] ابن عمر ، أن عمر أمر مسروحا .
قال : ورواه ابن أبي محذورة ، عن عبد العزيز أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعا - أيضا - وابن أبي محذورة شيخ .
وقال محمد [بن] يحيى الذهلي : هو حديث شاذ ، وهو خلاف ما رواه الناس عن ابن عمر .
يعني : أنهم رووا عنه حديث : ( إن بلالا يؤذن بليل ) .
وقال الشافعي : رأينا أهل الحديث من أهل العراق لا يثبتون هذا الحديث ، ويزعمون أنها ضعيفة ، لا يقوم بمثلها حجة على الانفراد .
وقال الأثرم : هذا الحديث [خطأ] معروف من خطأ حماد بن سلمة .
وقال الدارقطني : أخطأ فيه حماد بن سلمة . وتابعه سعيد بن زربي - وكان ضعيفا - روياه عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر . والمحفوظ : عن أيوب ، عن ابن سيرين أو حميد بن هلال ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال هذا . قال : ولا يقوم بالمرسل حجة .
قلت : روايات حماد بن سلمة عن أيوب غير قوية .
قال أحمد : أسند عن أيوب [أحاديث لا يسندها الناس عنه .
وقال مسلم : حماد يخطئ في حديث أيوب كثيرا .
وقد خولف في رواية هذا عن أيوب ، فرواه معمر ، عن أيوب ] - مرسلا .
خرجه عبد الرزاق ، عنه .
وأما حديث عبد العزيز بن أبي رواد ، فقد روي عنه متصلا كما تقدم من رواية ابن أبي محذورة عنه .
[3/514] وتابعه عامر بن مدرك .
قال الدارقطني : هو وهم ، والصواب : رواية شعيب بن حرب ، عن عبد العزيز ، عن نافع ، عن مؤذن لعمر ، يقال له : مسروح ، أن عمر أمره بذلك .
وذكر أبو داود أن حماد بن زيد رواه عن عبيد الله ، عن نافع أو غيره ، أن مؤذنا لعمر يقال له : مسروح - فذكره .
وذكر الترمذي ، أن ابن أبي رواد رواه ، عن نافع ، أن عمر أمر بذلك .
قال : هذا لا يصح ؛ لأنه منقطع .
وقال البيهقي في حديث ابن أبي رواد المتصل : إنه ضعيف لا يصح ، والصواب : رواية شعيب بن حرب .
وقال ابن عبد البر : الصحيح : أن عمر هو الذي أمر مؤذنه بذلك .
وقد روي من حديث قتادة ، عن أنس - نحو حديث حماد بن سلمة .
والصحيح : أنه عن قتادة مرسل - : قاله الدارقطني .
وروي من حديث الحسن ، عن أنس - أيضا - بإسناد لا يصح
.
والنهي عن الأذان قبل طلوع الفجر قد روي عن عمر ، كما سبق ، وعن علي .
قال أبو نعيم : ثنا إسرائيل ، عن فضل بن عمير ، قال : كان لعلي مؤذن ، فجعل علي معه مؤذنا آخر ؛ لكيلا يؤذن حتى ينفجر الفجر .
وهذا منقطع
.
وروى وكيع : ثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة ، [3/515] قالت : ما كانوا يؤذنون حتى يصبحون .
وخرج الإمام أحمد من رواية يونس ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود ، قال : قلت لعائشة : متى توترين ؟ قالت : ما أوتر حتى يؤذن ، وما يؤذن حتى يطلع الفجر .
وعن شريك ، عن علي بن علي ، عن إبراهيم ، قال : سمع علقمة مؤذنا يؤذن بليل ، فقال : لقد خالف هذا سنة أصحاب محمد .
وإلى هذا القول ذهب الكوفيون ، منهم : أبو الأحوص صاحب ابن مسعود ، وقيس بن أبي حازم ، والشعبي ، والنخعي ، والثوري ، وأبو حنيفة ، ومحمد بن الحسن ، والحسن بن صالح .
وروى ابن أبي شيبة من طريق حجاج ، عن طلحة ، عن سويد - هو : ابن علقمة - عن بلال : أنه كان لا يؤذن حتى ينشق الفجر .
وعن حجاج ، عن عطاء ، عن أبي محذورة : أنه أذن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأبي بكر وعمر ، فكان لا يؤذن حتى يطلع الفجر .
حجاج : هو ابن أرطاة .
قال الأثرم : هذا ضعيف الإسناد
.
وقال ابن أبي شيبة : ثنا ابن نمير ، عن عبيد الله ، قال : قلت لنافع : إنهم كانوا ينادون قبل الفجر ؟ قال : ما كان النداء إلا مع الفجر .