|
باب إقامة الحدود والانتقام لحرمات الله
أي هذا باب في بيان وجوب إقامة الحدود ، ووجوب الانتقام لحرمات الله تعالى ، وهي جمع حرمة ، كظلمات جمع ظلمة ، والحرمة ما لا يحل انتهاكه ، وقال المهلب : لا يحل لأحد من الأئمة ترك حرمات الله أن تنتهك ، وعليهم تغيير ذلك ، والانتقام افتعال من نقم ينقم ، من باب علم يعلم ، ونقم ينقم من باب ضرب يضرب ، ونقم من فلان الإحسان إذا جعله مما يؤديه إلى كفر النعمة ، ومعنى الانتقام لحرمات الله المبالغة في عقوبة من ينتهكها . 15 - حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم ، فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه ، والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط حتى تنتهك حرمات الله ، فينتقم لله .
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " والله ما انتقم لنفسه " أي ما عاقب أحدا على مكروه أتاه من قبله . وأخرج الحديث عن يحيى بن عبد الله بن بكير المصري عن الليث بن سعد عن عقيل بضم العين ابن خالد ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عروة بن الزبير ... إلخ ، ومضى في باب صفة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ؛ فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن ابن شهاب عن عروة ... إلخ . قوله : " ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال ابن بطال : هذا التخيير ليس من الله ؛ لأن الله لا يخير رسوله بين أمرين أحدهما إثم إلا إن كان في الدين أحدهما يؤول إلى الإثم ، كالغلو ؛ فإنه مذموم كما لو أوجب على نفسه شيئا شاقا من العبادة ، فيعجز عنه ، ومن ثمة نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الترهب ، وقال ابن التين : المراد التخير في أمر الدنيا ، وأما أمر الآخرة فكل ما صعب كان أعظم ثوابا ، وقال الكرماني رحمه الله : إن كان التخيير من الكفار فظاهر ، وإن كان من الله والمسلمين فمعناه ما لم يؤده إلى إثم كالتخيير في المجاهدة والاقتصاد فيها ، فإن المجاهدة بحيث تنجر إلى الهلاك لا تجوز . قوله : " ما لم يأثم " ، وفي رواية المستملي : " ما لم يكن إثم " . قوله : " كان أبعدهما منه " أي كان الإثم أبعد الأمرين من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . قوله : " يؤتى " على [23/276] صيغة المجهول . قوله : " حتى تنتهك " على صيغة المجهول بالنصب ، قوله : " فينتقم " يجوز فيه النصب والرفع ، فالنصب عطف على تنتهك والرفع على تقدير فهو ينتقم لله .
|