[3/531] 15 - باب من انتظر الإقامة
626 - حدثنا أبو اليمان : أبنا شعيب ، عن الزهري : أبنا عروة بن الزبير ، أن عائشة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر بعد أن يستبين الفجر ، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة .


قول عائشة : ( كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سكت المؤذن ) - أي : فرغ من أذانه .
قولها : ( بالأولى [من] صلاة الفجر ) - تعني : بالمرة الأولى .
وهذا يحتمل أن تكون أرادت به أنه كان يصلي الركعتين قبل فراغ المؤذن من أذانه قبل الإقامة ، فإن الأذان والإقامة يسميان أذانين ، كما في حديث عبد الله بن مغفل المتقدم ، ويحتمل أن تكون أرادت أن الأذان نفسه كان يكرر مرتين ، فيؤذن بلال وبعده ابن أم مكتوم ، فكانت صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد بلال قبل أذان ابن أم مكتوم ، إذا تبين الفجر للنبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتي الفجر ، ولم يتوقف على أذان ابن أم مكتوم ، فإن ابن أم مكتوم كان يسفر بأذان الفجر ، ولا يؤذن حتى يقال له : أصبحت .
فإن قيل : فكيف أذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأكل في الصيام إلى أذان ابن أم مكتوم ، والأكل يحرم بمجرد طلوع الفجر ؟ وقد روي في حديث أنيسة : أنهم كانوا يأمرونه أن يؤخر الأذان حتى يكملوا السحور .
قيل : هذا مما أشكل فهمه على كثير من الناس ، وقد تأول بعضهم قولهم لابن أم مكتوم : " أصبحت ، أصبحت " على أن المراد قاربت الصباح [بعد تبين [3/532] طلوع الفجر لا تحرم في وقت طلوعه سواء] .
والأحاديث والآثار المروية عن الصحابة في هذا المعنى كثيرة جدا .
وليس هذا قول الكوفيين الذين كانوا يستحبون الأكل والشرب إلى انتشار الضوء على وجه الأرض ؛ فإن ذلك قول شاذ منكر عند جمهور العلماء ، وستأتي المسألة في موضعها مبسوطة - إن شاء الله تعالى .
وسيأتي الكلام على الاضطجاع بعد صلاة ركعتي الفجر في موضع آخر - إن شاء الله تعالى .
وإنما المقصود هنا : قولها : ( حتى يأتيه المؤذن للإقامة ) ؛ فإن هذا يدل على أنه يجوز انتظار المصلي للإقامة ، وأن يؤخر دخول المسجد خارجا منه حتى تقام الصلاة ، فيدخل حينئذ .
وهذا هو مقصود البخاري في هذا الباب ، وأراد بذلك مخالفة من كره انتظار الإقامة ، فإن طائفة من السلف كرهوه وغلظوا .
حتى روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أنه قال : هو هرب من دين محمد والإسلام .
وقد كرهه من المتأخرين من أصحابنا ، وقالوا : يكره للقادر على الدخول إلى المسجد قبل الإقامة أن يجلس خارج المسجد ينتظر الإقامة ، ذلك تفوت به فضيلة السبق إلى المسجد وانتظار الصلاة فيه ، ولحقوق الصف الأول .
وقد ندب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى التهجير إلى الصلاة ، وهو القصد إلى المساجد في الهجير ، إما قبل الأذان أو بعده ، كما ندب إلى التهجير إلى الجمعة : انتظار الصلاة بعد الصلاة ، وقال للذين انتظروه إلى قريب من شطر الليل لصلاة [3/533] العشاء : ( إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها ) .
وقد كان كثير من السلف يأتي المسجد قبل الأذان ، منهم : سعيد بن المسيب ، وكان الإمام أحمد يفعله في صلاة الفجر .
وقال ابن عيينة : لا تكن مثل أجير السوء ، لا يأتي حتى يدعى .
يشير إلى أنه يستحب إتيان المسجد قبل أن ينادي المؤذن .
وقال بعض السلف في قول الله تعالى : وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ إنهم أول الناس خروجا إلى المسجد وإلى الجهاد .
وفي قوله : سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ قال مكحول : التكبيرة الأولى مع الإمام . وقال غيره : التكبيرة الأولى والصف الأول .
قال ابن عبد البر : لا أعلم خلافا بين العلماء أن من بكر وانتظر الصلاة ، وإن لم يصل في الصف الأول أفضل ممن تأخر ، وإن صلى في الصف الأول .
وروى المعافى ، عن سفيان الثوري ، قال : مجيئك إلى الصلاة قبل الإقامة توقير للصلاة .
فمن كان فارغا لا شغل له ، وجلس إلى الصلاة قبل الإقامة على باب المسجد ، أو قريبا منه ينتظر أن تقام الصلاة فيدخل المسجد ، وخصوصا إن كان على غير طهارة ، وإنما ينتظر في المسجد إذا دخل المسجد بعد الإقامة ، فهو مقصر راغب عن الفضائل المندوب إليها .
ولكن هذا كله في حق المأموم ، وقد تقدم من حديث أبي المثنى ، عن ابن عمر ، قال : كان أحدنا إذا سمع الإقامة توضأ وخرج من وقته .
وفيه دليل على أن الصحابة كانوا ينتظرون الإقامة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - .
فأما الإمام ، فإنه إذا انتظر إتيان المؤذن له في بيته حتى يؤذنه بالصلاة [3/534] ويخرج معه فيقيم الصلاة حينئذ بالمسجد فيصلي بالناس ، فهذا غير مكروه بالإجماع ، وهذه كانت عادة النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وفي حديث ابن عباس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتي الفجر ، واضطجع حتى يأتيه المؤذن بالإقامة ؛ فإن الإقامة إنما تكون بإذن الإمام ، أو عند خروجه إلى الناس ، بخلاف الأذان .
وفي " صحيح مسلم " عن جابر بن سمرة ، قال : كان بلال يؤذن إذا دحضت الشمس ، فلا يقيم حتى يخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه .
وقال علي : المؤذن أملك بالأذان ، والإمام أملك بالإقامة .
خرجه البيهقي .
وقال : روي من حديث أبي هريرة - مرفوعا ، وليس بمحفوظ .