باب أحكام أهل الذمة وإحصانهم إذا زنوا ورفعوا إلى الإمام .

أي هذا باب في بيان أحكام أهل الذمة اليهود ، والنصارى ، وسائر من تؤخذ منه الجزية ، قوله : "وإحصانهم" أي وفي بيان إحصانهم هل الإسلام شرط فيه أم لا كما سيأتي بيان الخلاف فيه ، قوله : "إذا زنوا" ظرف لقوله : "أحكام أهل الذمة" ، قوله : "ورفعوا" على صيغة المجهول إلى الإماء سواء جاؤوا إلى [24/18] الإمام بأنفسهم أو جاء بهم غيرهم للدعوى عليهم ، وهنا فصلان الأول : اختلف العلماء في إحصان أهل الذمة ، فقالت طائفة في الزوجين الكتابيين يزنيان ويرفعان إلينا : عليهما الرجم ، وهما محصنان ، وهذا قول الزهري ، والشافعي ، وقال الطحاوي ، وروي عن أبي يوسف أن أهل الكتاب يحصن بعضهم بعضا ، ويحصن المسلم النصرانية ولا تحصنه النصرانية ، وقال النخعي : لا يكونان محصنين حتى يجامعا بعد الإسلام ، وهو قول مالك ، والكوفيين ، وقالوا : الإسلام من شرط الإحصان ، الفصل الثاني : أيضا اختلفوا في وجوب الحكم بين أهل الذمة ، فروي التخيير فيه عن ابن عباس ، وعطاء ، والشعبي ، والنخعي ، وبه قال مالك ، وأحمد ، والشافعي ، وقال آخرون : إنه واجب ، وروي ذلك عن مجاهد ، وعكرمة ، وبه قال أبو حنيفة ، وأصحابه ، وهو الأظهر من قولي الشافعي .
32 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا عبد الواحد ، حدثنا الشيباني ، قال : سألت عبد الله بن أبي أوفى عن الرجم فقال : رجم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت : أقبل النور أم بعده ؟ قال : لا أدري .

قال الكرماني : مطابقته للترجمة إطلاق قوله : "رجم" ، وقيل : جرى على عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث ، وهو ما أخرجه أحمد ، والطبراني ، والإسماعيلي من طريق هشيم ، عن الشيباني قال : قلت : هل رجم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال : نعم ، رجم يهوديا ويهودية ، وعبد الواحد هو ابن زياد ، والشيباني بفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف ، وبالباء الموحدة اسمه سليمان بن أبي سليمان فيروز أبو إسحاق الكوفي ، وعبد الله بن أبي أوفى اسمه علقمة بن خالد الأسلمي ، والحديث أخرجه مسلم في الحدود عن أبي كامل ، عن ابن أبي شيبة ، قوله : "أقبل النور" الهمزة فيه للاستفهام على سبيل استخبار ، وأراد بالنور سورة النور ، قوله : "أم بعده" أي أم رجم بعد نزول سورة النور ، وقوله : أم بعده بالضمير رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره أم بعد بضم الدال ، قوله : "لا أدري" يدل على تحريه وتثبته ، فيمدح به ، ولا عيب فيه .
تابعه علي بن مسهر ، وخالد بن عبد الله ، والمحاربي ، وعبيدة بن حميد ، عن الشيباني .

أي تابع عبد الواحد علي بن مسهر بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء وبالراء أبو الحسن القرشي الكوفي ، وتابعه أيضا خالد بن عبد الله الطحان ، وتابعه أيضا المحاربي بصيغة اسم الفاعل من المحاربة ، واسمه عبد الرحمن بن محمد الكوفي ، وتابعه أيضا عبيدة بفتح العين وكسر الباء الموحدة ابن حميد بضم الحاء الضبي الكوفي ، وكل هؤلاء تابعوه في روايتهم عن الشيباني المذكور في روايته عن عبد الله بن أبي أوفى ، أما متابعة علي بن مسهر فرواها ابن أبي شيبة ، عنه ، عن الشيباني قال : قلت لعبد الله بن أبي أوفى فذكر مثله بلفظ "قلت : بعد سورة النور" ، وأما متابعة خالد بن عبد الله فرواها البخاري عن إسحاق ، عن خالد ، عن الشيباني : سألت عبد الله بن أبي أوفى ، وقد مضى هذا في باب رجم المحصن ، وأما متابعة المحاربي فلم أقف عليها ، وأما متابعة عبيدة فرواها الإسماعيلي من رواية أبي ثور ، وأحمد بن منيع قالا : حدثنا عبيدة بن حميد ، وجرير ، عن الشيباني ، ولفظه : "قبل النور أو بعدها" .
وقال بعضهم : المائدة ، والأول أصح .

أي قال بعض هؤلاء التابعين المذكورين ، قيل : إنه عبيدة لأن لفظه في مسند أحمد بن منيع "فقلت : بعد سورة المائدة أو قبلها ؟" ، قوله : "المائدة" أي ذكر سورة المائدة بدل سورة النور ، ولعل من ذكر سورة المائدة توهم من ذكر اليهودي واليهودية أن المراد سورة المائدة لأن فيها الآية التي نزلت بسبب سؤال اليهود عن حكم اللذين زنيا منهم ، وهي قوله تعالى : وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ قوله : "والأول أصح" أي من ذكر النور .