بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الديات .


أي هذا باب في بيان أحكام الديات ، وهو جمع دية ، أصلها ودى من وديت القتيل أديه دية إذا أعطيت ديته ، واتديت أي أخذت ديته ، فحذفت الواو منه ، وعوض عنها الهاء ، وإذا أردت الأمر منه تقول : د ، بكسر الدال أصله أود ، فحذفت الواو منه تبعا لفعله فصار أد ، واستغني عن الهمزة ، فحذفت فصار د على وزن ع ، فتقول : د ، ديا ، دوا ، دي ديا دين ، ويجوز إدخال هاء السكت في أمر الواحد فيقال : ده ، كما يقال : قه في ق الذي هو أمر يقي وفي المغرب : الدية مصدر ودى القتيل إذا أعطى وليه ديته ، وأصل التركيب على معنى الجري والخروج ، ومنه الوادي لأن الماء يدي فيه أي يجري فيه ، فإن قلت : ترجم غير البخاري كتاب القصاص ، وأدخل تحته الديات ، والبخاري بالعكس ، قلت : ترجمته أعم من ترجمة غيره لأن ما يجب فيه القصاص يجوز العفو عنه على مال فتشمله الدية .
وقول الله تعالى : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ

وقول الله بالجر عطف على قوله : "الديات" هذا على وجود الواو أي في قول الله وعلى قول أبي ذر ، والنسفي بدون الواو ، وكذا قول الله فيكون حينئذ مرفوعا على الابتداء وخبره هو قوله : وَمَنْ يَقْتُلْ فإن قلت : ما وجه تصدير هذه الترجمة بهذه الآية ؟ قلت : لأن فيها وعيدا شديدا عند القتل متعمدا بغير حق فإن من فعل هذا وصولح عليه بمال فتشمله الدية ، وإذا احترز الشخص عن ذلك فلا يحتاج إلى شيء ، واختلف العلماء في تأويل هذه الآية هل للقاتل توبة في ذلك أم لا ؟ فروي عن ابن مسعود ، وابن عباس وزيد بن ثابت ، وابن عمر : أنه لا توبة له وأنها غير منسوخة ، وأنها نزلت بعد الآية التي في الفرقان التي فيها توبة القاتل بستة أشهر ، ونزلت آية الفرقان في أهل الشرك ونزلت آية النساء في المؤمنين ، وروى سعيد بن المسيب أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما سأله رجل : إني قتلت فهل لي من توبة ؟ قال : تزود من الماء البارد فإنك لا تدخل الجنة أبدا ، وذكره ابن أبي شيبة أيضا عن أبي هريرة ، وأبي سعيد الخدري ، وأبي الدرداء ، وروي عن علي ، وابن عباس ، وابن عمر : للقاتل توبة ، من طرق لا يحتج بها ، واحتج أهل السنة بأن القاتل في مشيئة الله بحديث عبادة بن الصامت الذي فيه ذكر بيعة العقبة ، وفيه : "من أصاب ذنبا فأمره إلى الله إن شاء غفر له [24/31] وإن شاء عذبه" وإلى هذا ذهب جماعة من التابعين وفقهاء الأمصار ، وقيل : الآية في حق المستحل ، وقيل : المراد بالخلود طول الإقامة .
1 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عمرو بن شرحبيل قال : قال عبد الله : قال رجل : يا رسول الله ، أي الذنب أكبر عند الله ؟ قال : أن تدعو لله ندا وهو خلقك ، قال : ثم أي ؟ قال : ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ، قال : ثم أي ؟ قال : ثم أن تزاني بحليلة جارك ، فأنزل الله عز وجل تصديقها وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ الآية .

مطابقته للترجمة للآية المذكورة في قوله : وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وجرير هو ابن عبد الحميد ، والأعمش هو سليمان ، وأبو وائل هو شقيق بن سلمة ، وعمرو بفتح العين ابن شرحبيل بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف الهمداني الكوفي ، وعبد الله هو ابن مسعود رضي الله تعالى عنه .
والحديث مضى في التفسير عن عثمان بن أبي شيبة ، وفي الأدب عن محمد بن كثير ، وسيجيء في التوحيد أيضا ، ومضى الكلام فيه .
قوله : "ندا" بكسر النون وتشديد الدال المهملة وهو النظير والمثل وكذلك النديد ، قوله : "وهو خلقك" الواو فيه للحال ، قوله : "ثم أي" بفتح الهمزة وتشديد الياء أي ثم أي ذنب بعد ذلك ، قوله : "خشية أن يطعم" أي لأجل خشية أن يطعم معك ، قيل : القتل مطلقا أعظم فما وجه هذا التقييد ؟ وأجيب بأنه خرج مخرج الغالب إذ كانت عادتهم ذلك ، وهذا المفهوم لا اعتبار له ، وجواب آخر وهو أن فيه شيئين القتل وضعف الاعتقاد في أن الله هو الرزاق ، وهذا نظير قوله : تعالى وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ وقوله تعالى : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ قوله : "بحليلة" أي بزوجة جارك وهو بفتح الحاء المهملة ، وفيه الزنا والخيانة مع الجار الذي أوصى الله بحفظ حقه ، قوله : "فأنزل الله تصديقها" أي تصديق هذه الأشياء المذكورة في سورة الفرقان وهو قوله عز وجل : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلى آخر الآية ، قوله : "الآية" أي اقرأ تمام الآية يَلْقَ أَثَامًا قال مجاهد : الأثام واد في جهنم ، وقال سيبويه والخليل : أي يلق جزاء الأثام ، وقال القتبي : الأثام العقوبة .