باب ما يكره من احتيال المرأة مع الزوج والضرائر ، وما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك .

أي هذا باب في بيان ما يكره إلخ ، كلمة ما موصولة ، والضرائر جمع ضرة بفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء . قوله : " وما نزل " أي وفي بيان ما نزل على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . قوله : " في ذلك " أي فيما ذكر من احتيال المرأة مع الزوج والضرائر ، وأراد بقوله" وما نزل " قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ وذلك لما قال صلى الله تعالى عليه وسلم : شربت عسلا ولن أعود ، وقيل إنما حرم جاريته مارية فحلف أن لا يطأها ، وأسر ذلك إلى حفصة ، فأفشته إلى عائشة ، ونزل القرآن في ذلك .
19 - حدثنا عبيد بن إسماعيل ، حدثنا أبو أسامة ، عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء ، ويحب العسل ، وكان إذا صلى العصر أجاز على نسائه فيدنو منهن ، فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس ، فسألت عن ذلك . فقال لي : أهدت امرأة من قومها عكة عسل ، فسقت رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شربة . فقلت : أما والله لنحتالن له [24/119] فذكرت ذلك لسودة ، قلت : إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك فقولي له يا رسول الله أكلت مغافير ، فإنه سيقول لا ؟ فقولي له : ما هذه الريح ؟ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه أن يوجد منه الريح ، فإنه سيقول : سقتني حفصة شربة عسل . فقولي له : جرست نحله العرفط ، وسأقول ذلك ، وقوليه أنت يا صفية ، فلما دخل على سودة قلت : تقول سودة والذي لا إله إلا هو لقد كدت أن أبادره بالذي قلت لي ، وإنه لعلى الباب فرقا منك ، فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت يا رسول الله أكلت مغافير ؟ قال : لا . قلت : فما هذه الريح ؟ قال : سقتني حفصة شربة عسل . قلت : جرست نحله العرفط . فلما دخل علي قلت له مثل ذلك ، ودخل على صفية ، فقالت له مثل ذلك ، فلما دخل على حفصة قالت له : يا رسول الله ألا أسقيك منه ؟ قال : لا حاجة لي به . قالت : تقول سودة : سبحان الله لقد حرمناه قالت قلت لها اسكتي .

مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : والله لنحتالن له .
وأبو أسامة حماد بن أسامة ، وهشام هو ابن عروة يروي عن أبيه عروة بن الزبير عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها .
والحديث قد مضى في الأطعمة عن إسحاق بن إبراهيم ، وفي الأشربة عن عبد الله بن أبي شيبة ، وفيه وفي الطب عن علي بن عبد الله ، وهنا عن عبيد بن إسماعيل أربعتهم عن أبي أسامة ، وأخرجه بقية الجماعة ، وقد ذكرناه .
قوله " الحلواء " بمد وبقصر ، قال الداودي : يريد التمر وشبهه . قوله : " أجاز " أي تمم النهار وأنفده ، يقال : جاز الوادي جوازا وأجازه إذا قطعه ، وقال الأصمعي : جاز مشى فيه ، وأجازه قطعه ، وذكره ابن التين بلفظ جاز قال : كذا وقع في المجمل ، وقال الضحاك : جزت الموضع سرت فيه ، وأجزته خلفته وقطعته . قوله : " عكة " بالضم الآنية من الجلد . قوله : " فسقت رسول الله صلى الله عليه وسلم شربة " يعني حفصة . قال صاحب التوضيح : هذا غلط لأن حفصة هي التي تظاهرت مع عائشة في هذه القصة ، وإنما شربه عند صفية بنت حيي ، وقيل : عند زينب ، والأصح أنها زينب ، وقال الكرماني : تقدم في كتاب الطلاق أنه شرب في بيت زينب ، والمتظاهرتان على هذا القول عائشة وحفصة ، ثم قال : لعله شرب في بيتهما فهما قضيتان . قوله : " لنحتالن " من الاحتيال ، فإن قلت : كيف جاز على أزواجه - صلى الله عليه وسلم - الاحتيال ؟ قلت : هذه من مقتضيات الطبيعة للنساء ، وقد عفي عنهن . قوله : " مغافير " جمع مغفور بالغين المعجمة وبالفاء والواو والراء ، وهو صبغ كالعسل له رائحة كريهة . قوله : " جرست " بالجيم والراء وبالسين المهملة أي لحست باللسان وأكلت . قوله : " العرفط " بضم العين المهملة والفاء وإسكان الراء وبالطاء المهملة ، وهو شجر خبيث الثمر ، وقيل : العرفط موضع ، وقيل : شجر من العضاه وثمرته بيضاء مدحرجة ، وقال الجوهري : ثمرة كل العضاه صفراء إلا أن العرفط ثمرته بيضاء . قوله : " أن أبادره " من المبادرة ، ويروى أن أبادئه بالباء الموحدة من المبادأة ، يقال : أبادئهم أمرهم أي أظهره ، ويروى أن أناديه بالنون موضع الباء . قوله : " ألا أسقيك " بضم الهمزة وفتحها ، وفي الصحاح سقيته وأسقيته . قوله : " حرمناه " أي منعناه من العسل .