باب ترجمة الحكام ، وهل يجوز ترجمان واحد ؟

أي : هذا باب في بيان ترجمة الحكام - جمع حاكم ، وفي رواية الكشميهني " ترجمة الحاكم " بالإفراد .
الترجمة تفسير الكلام بلسان غير لسانه ، يقال ترجم كلامه إذا فسره بلسان آخر ، ومنه الترجمان والجمع التراجم ، قال الجوهري : ولك أن تضم التاء لضم الجيم فتقول تُرجُمان .
قوله ( وهل يجوز ترجمان واحد ؟ ) ، إنما ذكره بالاستفهام لأجل الخلاف الذي فيه ؛ فعند أبي حنيفة وأحمد يُكتفَى بواحد ، واختاره البخاري وابن المنذر وآخرون ، وقال الشافعي وأحمد في الأصح : إذا لم يعرف الحاكم لسان الخصم [24/267] لا يقبل فيه إلا عدلان كالشهادة . وقال أشهب وابن نافع عن مالك وابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون : إذا اختصم إلى القاضي من لا يتكلم بالعربية ولا يفقه كلامه فليترجم له عنهم ثقة مسلم مأمون ، واثنان أحب إلي ، والمرأة تجزئ ، ولا يقبل ترجمة كافر ، وشرط المرأة عند من يراه أن تكون عدلة ، ولا يترجم من لا تجوز شهادته .
وقال خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يتعلم كتاب اليهود ، حتى كتبت للنبي - صلى الله عليه وسلم - كتبه وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه .

هذا التعليق من الأحاديث التي لم يخرجها البخاري إلا معلقة ، وقد وصله مطولا في كتاب التاريخ عن إسماعيل بن أبي أويس حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن زيد بن ثابت - الحديث .
قوله ( كتاب اليهود ) ؛ أي كتابتهم ، يعني خطهم ، وفي رواية الكشميهني " كتاب اليهودي " بياء النسبة .
قوله ( حتى كتبت ) بلفظ المتكلم .
قوله ( كتبه ) ؛ يعني إليهم .
قوله ( وأقرأته كتبهم ) ؛ يعني التي يكتبونها إليه .
وقال عمر - وعنده علي وعبد الرحمن وعثمان : ماذا تقول هذه ؟ قال عبد الرحمن بن حاطب : فقلت : تخبرك بصاحبهما الذي صنع بهما .

أي قال عمر بن الخطاب - والحال أن عنده علي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهم - قوله " ماذا تقول هذه ؟ " ، مقول عمر رضي الله تعالى عنه ، وأشار بقوله " هذه " إلى امرأة كانت حاضرة عندهم ، فترجم عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة مترجما عنها لعمر رضي الله تعالى عنه بإخبارها عن فعل صاحبهما ، وهي كانت نوبية - بضم النون وسكون الواو وكسر الباء الموحدة وتشديد الياء آخر الحروف - أعجمية من جملة عتقاء حاطب ، وقد زنت وحملت ، فأقرت أن ذلك من عبد اسمه برغوس - بالراء والغين المعجمة وبالسين المهملة - بدرهمين .
وهذا التعليق وصله عبد الرزاق وسعد بن منصور من طرق عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه - نحوه .
وقال أبو جمرة : كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس .

أبو جمرة بالجيم والراء ، واسمه نصر بن عمران الضبعي البصري ، وأخرجه النسائي بزيادة بعد قوله " وبين الناس " : وأتته امرأة فسألته عن نبيذ الجر فنهى عنه " الحديث .
وقال بعض الناس : لا بد للحاكم من مترجمين .

قال الكرماني : قال مغلطاي المصري : كأنه يريد ببعض الناس الشافعي . وهو رد لقول من قال إن البخاري إذا قال بعض الناس أراد به أبا حنيفة ، ثم قال الكرماني : أقول غرضهم بذلك غالب الأمر أو في موضع تشنيع عليه وقبح الحال ، أو أراد به هاهنا أيضا بعض الحنفية لأن محمد بن الحسن قال بأنه لا بد من اثنين ، غاية ما في الباب أن الشافعي أيضا قائل به ، لكن لم يكن مقصودا بالذات . انتهى ، وقال بعضهم : المراد ببعض الناس محمد بن الحسن ، فإنه الذي اشترط أنه لا بد في الترجمة من اثنين ونزلها منزلة الشهادة ، ووافقه الشافعي فتعلق بذلك مغلطاي فقال : فيه رد لقول من قال إن البخاري . . . إلخ . قلت : سبحان الله ! ما هذا التعصب الباطل حتى يوقعوا به أنفسهم في المحذور ! فمآله لكرمانيٍّ الذي طرح جلباب الحياء ، وبقول " أو في موضع تشنيع عليه وقبح الحال " ، وما التشنيع وقبح الحال إلا على من يتكلم في الأئمة الكبار الذين سبقوهم بالإسلام وقوة الدين وكثرة العلم وشدة الورع والقرب من زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، ومع هذا فالكرماني ما جزم بأن مراد البخاري ببعض الناس أبو حنيفة ومحمد بن الحسن لأنه ردد في كلامه " والعجب من بعضهم الذي جزم بأن المراد به محمد بن الحسن " ، فهروبهم عن المراد به الشافعي مثل ما ذكره الشيخ [24/268] علاء الدين مغلطاي : لماذا والحال أن المراد به لو كان الشافعي لما يلزم به النقص للشافعي ولا ينقص من جلالة قدره شيء ؟ على أن البخاري لا يراع الشافعي قط ، والدليل عليه أنه ما روى عنه قط في جامعه الصحيح ، ولو كان يعترف به لروى عنه كما روى عن الإمام مالك جملة مستكثرة ، وكذلك روى عن أحمد بن حنبل في آخر المغازي في مسند بريدة أنه غزا مع النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ست عشرة غزوة ، وقال في كتاب الصدقات : حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، حدثنا أبي ، حدثنا ثمامة - الحديث ، ثم قال عقيبه : وزادني أحمد بن حنبل " عن محمد بن عبد الله الأنصاري " . وقال في كتاب النكاح : قال لنا أحمد بن حنبل .
54 - حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن عبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش ، ثم قال لترجمانه : قل لهم إني سائل هذا ، فإن كذبني فكذبوه - فذكر الحديث ، فقال للترجمان : قل له إن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين .

قال الكرماني : ذكر ترجمة الحاكم ولا حكم فيها ، ونصب الأدلة في غير ما ترجم عليه . قلت : غرض البخاري ذكر لفظ الترجمة ليس إلا ، وليس مراده الحكم بالترجمة .
ورجال الحديث قد تكرر ذكرهم ، وأبو اليمان الحكم بن نافع .
والحديث مضى في أول الكتاب مطولا ، وأبو سفيان اسمه صخر بن حرب .