[4/92] 40 – باب
الرُّخْصَةِ فِي المَطَرِ وَالعِلَّةِ أنْ يُصَلِّي فِي رَحْلِهِ
فِيهِ حديثان :
الأول :
666 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف : أنا مَالِك ، عَن نَافِع ، أن ابن عُمَر أذن بالصلاة فِي ليلة ذات برد وريح ، ثُمَّ قَالَ : ألا صلوا فِي الرحال ، ثُمَّ قَالَ : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يأمر المؤذن إذا كَانَتْ ليلة برد ومطر يَقُول : ( ألا صلوا فِي الرحال )
.

قَدْ سبق هَذَا الحَدِيْث فِي ( بَاب : الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة ) ، خرجه البخاري هناك من رِوَايَة عُبَيْدِ الله بْن عُمَر ، عَن نَافِع ، قَالَ : أذن ابن عُمَر فِي ليلة باردةٍ بضجنان ، ثُمَّ قَالَ : صلوا فِي رحالكم ، وأخبرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يأمر مؤذناً يؤذن ، ثُمَّ يَقُول عَلَى إثره : ( ألا صلوا فِي الرحال فِي الليلة الباردة أو المطيرة فِي السفر ) .
ففي هذه الرواية : أن ذَلِكَ كَانَ فِي السفر ، وأنه كَانَ فِي الليلة الباردة أو المطيرة .
وليس ذكر السفر فِي رِوَايَة مَالِك ، وفي روايته : إذا كَانَتْ ليلة ذات برد ومطر .
وظاهره : الجمع بَيْن البرد والمطر فِي ليلة واحدة .
وروى ابن إسحاق هَذَا الحَدِيْث عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، قَالَ : نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم بذاك فِي المدينة فِي الليلة المطيرة ، أو الغداة القرة .
[4/93] خرجه أبو داود .
ولا نعلم ذكر المدينة فِي حَدِيْث ابن عُمَر فِي هذه الرواية ، ورواية عُبَيْدِ الله أصح .
وأكثر أهل العلم عَلَى أن المطر والطين عذر يباح مَعَهُ التخلف عَن حضور الجمعة والجماعات ، ليلاً ونهاراً .
قَالَ الترمذي : قَدْ رخص أهل العلم فِي القعود عَن الجماعة والجمعة فِي المطر والطين ، وسمى منهم : أحمد وإسحاق .
وحكاه بعض أصحابنا عَن جمهور العلماء .
وحكي عَن مَالِك : أن المطر ليس بعذر فِي ترك الجمعة خاصة .
وروي نحوه عَن نَافِع مَوْلَى ابن عُمَر .
وَقَالَ سُفْيَان الثوري : لا يرخص لأحد فِي ترك الجمعة إذا كَانَ فِي مصر يجمع فِيه ، إلا لمرض مضن ، أو خوف مقطع .
وحكي عَن أحمد رِوَايَة أخرى : أن المطر والوحل ليس بعذر فِي الحضر ، إنما هُوَ عذر فِي السفر ؛ لأن الأحاديث الصحيحة إنما جاءت بذلك فِي السفر ، كحديث ابن عُمَر ، وفي ( صحيح مُسْلِم ) من حَدِيْث جابر ، نحوه ، وليس فِي الحضر إلا حَدِيْث ابن إِسْحَاق المتقدم ، وحديث يروى عَن نعيم النحام ، وقد ذكرناه فِي ( أبواب : الأذان ) ، وفي إسناده مقال .
ومقتضى هَذَا القول : أن الجمعة لا يباح تركها بذلك ؛ لأنها لا تكون إلا في الحضر ، ولكن قَدْ روي عَن جماعة من الصَّحَابَة أَنَّهُ يعذر فِي ترك الجمعة بالمطر والطين ، منهم : ابن عَبَّاس وعبد الرحمن بْن سمرة وأسامة بن عمير والد [4/94] أَبِي المليح ، ولا يعرف عَن صحابي خلافهم ، وقولهم أحق أن يتبع .
وروى هِشَام ، عَن قتادة ، قَالَ : قَالَ مُحَمَّد بْن سيرين : مَا كَانَ يختلف إذا كَانَ يوم الجمعة فِي يوم مطر فِي الرخصة للرجل أن يجلس عَن الجمعة فِي بيته .
خرجه الفريابي فِي ( كِتَاب الصلاة ) .
وذكر ابن المنذر : أن المطر عذر فِي الليلة المطيرة .
وهذا يفهم مِنْهُ أَنَّهُ لا يكون عذراً فِي النهار ؛ لأن حَدِيْث ابن عُمَر إنما فِيهِ ذكر الليل .
ولكن رَوَى قتادة ، عَن أَبِي المليح بْن أسامة ، عَن أَبِيه ، أن يوم حنين كَانَ يوم مطر ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديه : أن الصلاة فِي الرحال .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان فِي ( صحيحيهما ) ، والحاكم .
وخرجه أبو داود - أَيْضاً - من طريق أَبِي قلابة ، عَن أَبِي المليح ، عَن أَبِيه ، أَنَّهُ شهد مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم زمان الحديبية فِي يوم جمعة ، وأصابهم مطر لَمْ يبل أسفل نعالهم ، فأمرهم أن يصلوا فِي رحالهم .
وخرجه الإمام أحمد من حَدِيْث شعبة ، عَن عَمْرِو بْن أوس ، عَن رَجُل ، حدثه مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي يوم مطر : صلوا فِي الرحال .
[4/95] وروي من حَدِيْث نعيم النحام ، أن ذَلِكَ كَانَ فِي أذان الصبح ، وقد سبق ذكره .
ولأن الصَّحَابَة جعلوا المطر والطين عذراً فِي ترك الجمعة ، والجمعة إنما تقام نهاراً ، فعلم أن ذَلِكَ عندهم عذر فِي الليل والنهار .
وقد روي فِي حَدِيْث مرسل ، خرجه وكيع عَن المغيرة بْن زياد ، عَن عَطَاء ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي سفر ، فأصابهم مطر ، فصلى بالناس فِي رحالهم ، وبلال يسمع النَّاس التكبير .
وَهُوَ مرسل
.
وَهُوَ يدل عَلَى أنهم صلوا جماعة ، لكن كل إنسان صلى فِي رحله ، وهذا غريب جداً .
وأما الريح الشديدة الباردة ، فَقَالَ أصحابنا : هِيَ عذر فِي ترك الجماعة فِي الليلة المظلمة خاصة .