بسم الله الرحمن الرحيم
باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام


[25/12] أي هذا باب في بيان ما جاء في إجازة خبر الواحد الخ ، الإجازة هو الإنفاذ والعمل به ، والقول بحجيته ، قوله : " الصدوق " ببناء المبالغة والمراد أن يكون له ملكة الصدق ، يعني يكون عدلا ، وهو من باب إطلاق اللازم وإرادة الملزوم ، قوله : " في الأذان " الخ إنما ذكر هذه الأشياء ليعلم أن إنفاذ الخبر إنما هو في العمليات لا في الاعتقاديات ، والمراد بقبول خبره في الأذان أنه إذا كان مؤتمنا فأذن تضمن دخول الوقت فجازت صلاة ذلك الوقت ، وفي الصلاة الإعلام بجهة القبلة ، وفي الصوم الإعلام بطلوع الفجر أو غروب الشمس ، قوله : " والفرائض " من عطف العام على الخاص ، قوله : " والأحكام " جمع الحكم وهو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير ، وهو من عطف العام على عام أخص منه لأن الفرائض فرد من الأحكام .
ثم اعلم أنه عند جميع الرواة هكذا باب ما جاء إلخ ، بلفظ باب ، ووقع في بعض النسخ قبل البسملة كتاب خبر الواحد ، وكذا وقع عند الكرماني ، وثبتت البسملة قبل لفظ باب في رواية كريمة والأصيلي ، وسقطت لأبي ذر والقابسي والجرجاني .
وقول الله تعالى : فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ

" وقول الله تعالى " بالجر عطف على المضاف إليه في باب ما جاء أي وفي بيان قول الله تعالى ، وساق الآية كلها في رواية كريمة ، وفي رواية غيرها " وقول الله تعالى : فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ الآية " وأول الآية قوله تعالى : وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ الآية ، وسبب نزول هذه الآية أن الله لما أنزل في حق المنافقين ما أنزل بسبب تخلفهم عن الغزاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المؤمنون : والله لا نتخلف غزوة يغزوها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سرية أبدا ، فلما أرسل السرايا بعد تبوك نفر المؤمنون جميعا وتركوه صلى الله عليه وسلم وحده ، فنزلت هذه الآية ، ولفظها لفظ الخبر ومعناه الأمر ، والمعنى : ما كان لهم أن ينفروا جميعا بل ينفر بعضهم ويبقى مع النبي صلى الله عليه وسلم بعض ، قوله : " فلولا نفر " يعني فحين لم يكن نفير الكافة ولم يكن مصلحة فهلا نفر من كل فرقة منهم طائفة ، قال الزمخشري : أي من كل جماعة كثيرة جماعة قليلة منهم يكفونهم النفير " ليتفقهوا في الدين " أي ليتكلفوا الفقاهة فيه " ولينذروا قومهم " بعلمهم إذا رجعوا إليهم أي النافرين " إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " إرادة أن يحذروا الله فيعملوا عملا صالحا ، والكلام في الطائفة ، ومراد البخاري أن لفظ طائفة يتناول الواحد فما فوقه ولا يختص بعدد معين ، وهو منقول عن ابن عباس والنخعي ومجاهد وعطاء وعكرمة ، وعن ابن عباس أيضا : من أربعة إلى أربعين ، وعن الزهري : ثلاثة ، وعن الحسن : عشرة ، وعن مالك : أقل الطائفة أربعة ، وعن عطاء : اثنان فصاعدا ، وقال الراغب : لفظ طائفة يراد بها الجمع والواحد طائف ويراد بها الواحد .
ويسمى الرجل طائفة لقوله تعالى : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فلو اقتتل رجلان دخل في معنى الآية .

لو قال : ويسمى الواحد أو الشخص لكان أولى ، قوله : " لقوله تعالى : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا استدلال منه بهذه الآية على أن الواحد يسمى طائفة ، قوله : " فلو اقتتل رجلان دخل في معنى الآية لإطلاق الطائفة على الواحد ، وعن مجاهد في الآية المذكورة أنهما كانا رجلين ، ويروى فلو اقتتل الرجلان بالألف واللام ، قوله : " دخل " ويروى " دخلا " وهو الصواب .
وقوله تعالى : إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا

قال الكرماني : وجه الاستدلال به أنه أوجب الحذر عند مجيء فاسق بنبأ أي بخبر ، وأمر بالتبين عند الفسق ، فحيث لا فسق لا يجب التبين فيجب العمل به ، وقال بعضهم : وجه الدلالة منها تؤخذ من مفهومي الشرط والصفة فإنهما يقتضيان قبول [25/13] خبر الواحد العدل انتهى ، قلت : كلام الكرماني كاد أن يقرب وكلام الآخر كاد أن يبعد جدا ؛ لأن الخصم لا يقول بالمفهوم ، والذي يظهر أنه إنما ذكر هذه الآية لقوله في الترجمة خبر الواحد الصدوق ، واحتج بها على أن خبر الواحد الفاسق لا يقبل فافهم .
وكيف بعث النبي صلى الله عليه وسلم أمراءه واحدا بعد واحد فإن سها أحد منهم رد إلى السنة

استدل بهذا أيضا على إجازة خبر الواحد الصادق ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث أمراءه إلى الجهاد واحدا بعد واحد ؛ لأن خبر الواحد لو لم يكن مقبولا لما كان في إرساله معنى ، وقال الكرماني : إذا كان خبر الواحد مقبولا فما فائدة بعث الآخر بعد الأول ، قلت : لرده إلى الحق عند سهوه ، وهو معنى قوله : " فإن سها واحد منهم " أي من الأمراء المبعوثين رد إلى السنة ، وهو على صيغة المجهول ، وأراد بالسنة الطريق الحق والمنهج الصواب ، وقال الكرماني : والسنة هي الطريقة المحمدية ، يعني شريعته واجبا ومندوبا وغيرهما .
21 - حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، حدثنا مالك قال : أتينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون ، فأقمنا عنده عشرين ليلة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رقيقا ، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا أو قد اشتقنا سألنا عمن تركنا بعدنا ، فأخبرناه قال : ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم ، وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها ، وصلوا كما رأيتموني أصلي ، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم .

مطابقته للترجمة في قوله : " فليؤذن أحدكم " لأن أذان الواحد يؤذن بدخول الوقت والعمل به .
وعبد الوهاب هو ابن عبد المجيد الثقفي ، وأيوب هو السختياني ، وأبو قلابة بكسر القاف عبد الله بن زيد الجرمي ، ومالك هو ابن الحويرث بضم الحاء المهملة وفي آخره ثاء مثلثة ابن حشيش بشينين معجمتين على وزن عظيم ، من بني سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ، حجازي سكن البصرة ومات بها سنة أربع وسبعين .
والحديث بعين هذا الإسناد والمتن قد مضى في الصلاة في باب الأذان للمسافر ، وقد كرر هذا الحديث بلا فائدة جديدة ، ومضى الكلام فيه هناك .
قوله : " أتينا النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم " أي وافدين عليه ، قوله : " ونحن شببة " بشين معجمة وباءين موحدتين وفتحات جمع شاب وهو من كان دون الكهولة ، قوله : " متقاربون " أي في السن ، ووقع عند أبي داود " متقاربون في العلم " وعند مسلم " متقاربون في القراءة " ، قوله : " رقيقا " بقافين ويروى بفاء وقاف ، وعند مسلم بقافين فقط ، قوله : " اشتهينا أهلنا " وفي رواية الكشميهني " أهلينا " بكسر اللام وزيادة الياء جمع أهل ، وفي الصلاة " اشتقنا إلى أهلنا " والمراد بالأهل الزوجات أو أعم من ذلك ، قوله : " سألنا بفتح اللام ، والضمير المرفوع فيه يرجع إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، قوله : " ارجعوا إلى أهليكم " إنما أذن لهم بالرجوع لأن الهجرة كانت قد انقطعت بعد الفتح فكانت الإقامة بالمدينة باختيار الوافد ، قوله : " وعلموهم " أي الشرائع " ومروهم " بالإتيان بالواجبات والاجتناب عن المحرمات ، قوله : " أحفظها أو لا أحفظها " ليس شكا بل هو تنويع ، وقائل هذا هو أبو قلابة ، قوله : " وصلوا كما رأيتموني أصلي " أي من جملة الأشياء التي حفظها أبو قلابة عن مالك هو قوله صلى الله عليه وسلم هذا ، قوله : " فإذا حضرت الصلاة " أي فإذا دخل وقتها ، قوله : " أكبركم " أي أفضلكم أو أسنكم ، وعند النسائي في الفضيلة .