57 - حدثني إسماعيل ، حدثني ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر ، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس بن حصن وكان من النفر الذين يدنيهم عمر ، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا ، فقال عيينة لابن أخيه : يا ابن أخي هل لك وجه عند هذا الأمير فتستأذن لي عليه ، قال : سأستأذن لك عليه ، قال ابن عباس : فاستأذن لعيينة ، فلما دخل قال : يا ابن الخطاب ، والله ما تعطينا الجزل وما تحكم بيننا بالعدل ، فغضب عمر حتى هم بأن يقع به ، فقال الحر : يا أمير المؤمنين ، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وإن هذا من الجاهلين ، فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه ، وكان وقافا عند كتاب الله .

مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " وكان وقافا عند كتاب الله " فإن الذي يقف عند كتاب الله هو الذي يقتدي بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والوقوف عند كتاب الله عبارة عن العمل بما فيه .
وإسماعيل هو ابن أبي أويس ، يروي عن عبد الله بن وهب ، عن يونس بن يزيد الأيلي ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري .
والحديث مضى في التفسير في سورة الأعراف عن أبي اليمان ، عن شعيب .
قوله : " عيينة " مصغر عينة بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالنون ابن حصن بكسر الحاء المهملة وسكون الصاد المهملة وبالنون ابن حذيفة بن بدر الفزاري ، معدود في الصحابة ، وكان في الجاهلية موصوفا بالشجاعة والجهل والجفاء ، وله ذكر في المغازي ، ثم أسلم في الفتح ، وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم حنينا ، فأعطاه مع المؤلفة ، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم الأحمق المطاع ، ووافق طليحة الأسدي لما ادعى النبوة ، فلما غلبهم المسلمون في قتال أهل الردة فر طليحة وأسر عيينة ، فأتي به أبو بكر رضي الله تعالى عنه فاستتابه فتاب ، قوله : " الحر " بضم الحاء المهملة وتشديد الراء ابن قيس بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري ، قال أبو عمر : الحر كان من الوفد الذين قدموا على رسول الله [25/31] صلى الله عليه وسلم من فزارة مرجعه من تبوك ، قوله : " وكان من النفر " أي وكان الحر بن قيس من الطائفة الذين يدنيهم عمر أي يقربهم ، ثم بين ابن عباس سبب إدنائه الحر بقوله : " وكان القراء أصحاب مجلس عمر " وأراد بالقراء العلماء والعباد ، فدل ذلك على أن الحر المذكور كان يتصف بذلك ، فلذلك كان عمر يدنيه ، قوله : " ومشاورته " أي وأصحاب مشاورته ، يعني كان يشاورهم في الأمور ، وقال الكرماني : ومشاورته بلفظ المصدر وبلفظ المفعول ، قوله : " كهولا كانوا أو شبانا " الكهول جمع كهل ، والشبان جمع شاب ، أراد أن هؤلاء المذكورين أصحاب مجلسه وأصحاب مشورته سواء فيهم الكهول والشبان ؛ لأن كلهم كانوا على خير ، قوله : " هل لك وجه " أي وجاهة ومنزلة ، قوله : " عند هذا الأمير " أراد به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لكن لم يقل هذا الأمير إلا من قوة جفائه وعدم معرفته بمنازل الأكابر ، قوله : " فتستأذن لي " بالنصب أي فتطلب منه الإذن في خلوة لأن عمر كان لا يحتجب إلا عند خلوته وراحته ؛ ولأجل ذلك قال الحر سأستأذن لك حتى تجتمع به وحدك .
قوله : " قال ابن عباس " موصول بالسند المذكور ، قوله : " يا ابن الخطاب " هذا أيضا من جفائه حيث لم يقل يا أمير المؤمنين أو يا عمر بن الخطاب ، وقد تقدم في سورة الأعراف ، فلما دخل عليه قال : " هي يا ابن الخطاب " بكسر الهاء وسكون الباء ، وهذه كلمة تقال في الاستزادة وبمعنى التهديد ، وأشار صاحب التوضيح إلى المعنى الثاني ، قوله : " الجزل " بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها لام أي العطاء الكثير ، وأصل الجزل ما عظم من الحطب ، قوله : " وما تحكم " وفي رواية الكشميهني ولا تحكم ، قوله : " حتى هم أن يقع به " أي حتى قصد أن يبالغ في ضربه ، وفي رواية التفسير حتى هما أن يوقع به ، قوله : " وإن هذا من الجاهلين " أي أعرض عنه ، قوله : " فوالله ما جاوزها ، قيل إنه من كلام ابن عباس ، وقيل من كلام الحر بن قيس ، ومعنى " ما جاوزها " ما عمل بغير ما دلت عليه الآية بل عمل بمقتضاها ؛ فلذلك قال " وكان وقافا عند كتاب الله " أي يعمل بما فيه ولا يتجاوزه .