باب من سئل علما وهو مشتغل في حديثه ، فأتم الحديث ثم أجاب السائل

الكلام فيه على وجهين ؛ الأول : أن " باب " مرفوع ؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف مضاف إلى قوله " من سئل " ، ومن موصولة .
وقوله " سئل " على صيغة المجهول ، جملة من الفعل والمفعول النائب عن الفاعل ، وقعت صلة لها .
وقوله " علما " نصب ؛ لأنه مفعول ثان .
وقوله " وهو مشتغل في حديثه " جملة وقعت حالا عن الضمير الذي في " سئل " . وذكر قوله " فأتم " بالفاء ، وقوله " ثم أجاب " بكلمة " ثم " - لأن إتمام الحديث حصل عقيب الاشتغال به ، والجواب بعد الفراغ منه .
الثاني : وجه المناسبة بين البابين على تقدير وجود الباب السابق في بعض النسخ من حيث إن الباب الأول وإن كان المذكور فيه فضل العلم ، ولكن المراد التنبيه على فضل العلماء كما حققنا الكلام فيه هناك . وهذا الباب فيه حال العالم المسؤول منه عن مسألة معضلة ، ولا يسأل عن المسائل المعضلات إلا العلماء الفضلاء العاملون الداخلون في قوله تعالى : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ
وأما على تقدير عدم الباب السابق في النسخ فالابتداء بهذا الباب الإشارة إلى ما قيل من أن العلم سؤال وجواب ، والسؤال نصف العلم ؛ فتميز هذا الباب عن بقية الأبواب التي تضمنها كتاب العلم فاستحق بذلك التصدير على بقية الأبواب ، فافهم !
1 - حدثنا محمد بن سنان قال : حدثنا فليح . ( ح ) وحدثني إبراهيم بن المنذر قال : حدثنا محمد بن فليح قال : حدثني أبي قال : حدثني هلال بن علي ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة قال : بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال : متى الساعة ؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث ، فقال بعض القوم : سمع ما قال فكره ما قال ! وقال بعضهم : بل لم يسمع - حتى إذا قضى حديثه قال : أين أراه السائل عن الساعة ؟ قال : ها أنا يا رسول الله ! قال : فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة . قال : كيف إضاعتها ؟ قال : إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة !

مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة .
بيان رجاله : وهم ثمانية ؛ الأول : محمد بن سنان - بكسر السين المهملة وبالنونين - أبو بكر الباهلي العوقي البصري ، روى عنه البخاري وأبو داود وأبو حاتم الرازي ، قال يحيى بن معين : ثقة مأمون . وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه عن رجل عنه ، توفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين .
الثاني : فليح - بضم الفاء وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره حاء مهملة - ابن سليمان بن أبي المغيرة ، وهو حنين ابن أخي عبيد بن حنين ، وكان اسمه عبد الملك ، ولقبه فليح ، واشتهر بلقبه ، الخزاعي المدني ، وكنيته أبو يحيى ، روى عن نافع وعدة ، وروى عنه عبد الله بن وهب ويحيى الوحاظي وابن أعين وشريح بن النعمان وآخرون .
قال يحيى بن معين : هو ضعيف ، ما أقربه من ابن أبي أويس ! وفي رواية عنه : ليس بقوي ولا يحتج به . وقال أبو حاتم : ليس بالقوي . وقال النسائي أيضا : ليس بالقوي . وقال ابن عدي : هو عندي لا بأس به . وقد اعتمده البخاري في صحيحه ، وقد روى عنه زيد بن أبي أنيسة ، روى له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ، وقال الحاكم : واجتماع البخاري ومسلم عليه في إخراجهما عنه في الأصول يؤكد أمره ويسكن القلب فيه إلى تعديل . توفي سنة ثمان وستين ومائة .
الثالث : إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام بن خويلد [2/5] القرشي الحزامي المدني ، أبو إسحاق ، روى عنه أبو حاتم وأبو زرعة وابن ماجه وغيرهم ، وروى البخاري عنه ، وروى أيضا عن محمد بن غالب عنه ، وروى النسائي عن رجل عنه ، وروى له الترمذي ، قال النسائي : ليس به بأس . مات سنة ست - وقيل خمس - وثلاثين ومائتين بالمدينة .
الرابع : محمد بن فليح المذكور ، روى عن هشام بن عروة وغيره ، روى عنه هارون بن موسى الفروي وغيره ، لينه ابن معين ، وقال أبو حاتم : ما به بأس ، ليس بذلك القوي . مات سنة سبع وتسعين ومائة ، روى له البخاري والنسائي وابن ماجه .
الخامس : أبو فليح المذكور .
السادس : هلال بن علي ، ويقال له : هلال بن أبي ميمونة ، ويقال له : هلال بن أبي هلال ، ويقال له : هلال ابن أسامة - نسبته إلى جده ، وقد يظن أربعة والكل واحد . قال مالك : هلال بن أبي أسامة ، تابعه على ذلك أسامة بن زيد الليثي وقال : هو الفهري القرشي المدني ، وهو من صغار التابعين ، وشيخه في هذا الحديث من أوساطهم ، سمع أنسا وغيره ، وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ، وهو شيخ . قال الواقدي : مات في آخر خلافة هشام ، روى له الجماعة .
السابع : عطاء بن يسار ، مولى ميمونة بنت الحارث ، وقد تقدم ذكره .
الثامن : أبو هريرة ، وقد تقدم ذكره أيضا .
بيان الأنساب : الباهلي - بالباء الموحدة نسبة إلى باهلة بنت صعب بن سعد العشيرة بن مالك بن كذا ، ومالك هو جماع مذحج .
العوقي - بفتح العين المهملة والواو وبالقاف نسبة إلى العوقة ، وهم حي من عبد القيس ، ولم يكن محمد بن سنان من العوقة وإنما نزل فيهم ، كان لهم محلة بالبصرة فنزل عندهم فنسب إلى العوقة .
الخزاعي - بضم الخاء وبالزاي المعجمتين نسبة إلى خزاعة ، وهو عمرو بن ربيعة . وقال الرشاطي : الخزاعي في الأزد وفي قضاعة ؛ فالذي في الأزد ينسب إلى خزاعة وهو عمرو بن ربيعة ، وفي قضاعة بطن وهو خزاعة بن مالك بن عدي الحزامي بكسر الحاء المهملة وبالزاي المعجمة ، نسبة إلى حزام أحد الأجداد . وقال الرشاطي : الحزامي في أسد قريش وفي فزارة ؛ فالذي في قريش حزام بن خويلد بن أسد ، والذي في فزارة حزام بن سعد بن عدي بن فزارة الفهري بكسر الفاء نسبة إلى فهر بن مالك بن النضر بن كنانة .
بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع ، والتحديث بصيغة الإفراد وهو قوله " حدثني إبراهيم بن المنذر " ، وفي بعض النسخ " حدثنا " ، والفرق بينهما ظاهر ؛ وهو أن الشيخ إذا حدث له وهو السامع وحده يقول حدثني ، وإذا حدث ومعه غيره يقول حدثنا . وفيه العنعنة أيضا .
ومنها أن هذا إسنادان ؛ أحدهما عن محمد بن سنان عن فليح عن هلال عن عطاء عن أبي هريرة ، والآخر عن إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح عن أبيه عن هلال ... إلى آخره ، وهذا أنزل من الأول بواحد .
ومنها أن رجال الإسناد الأخير كلهم مدنيون ، ومنها أن في غالب النسخ قبل قوله " وحدثني إبراهيم بن المنذر " صورة ( ح ) ، وهي حاء مهملة مفردة ، قيل إنها مأخوذة من التحول لتحوله من إسناد إلى آخر ، ويقول القارئ إذا انتهى إليها " حا " ويستمر في قراءة ما بعدها ، وقيل إنها من حال بين الشيئين إذا حجز ؛ لكونها حالة بين الإسنادين ، وأنه لا يلفظ عند الانتهاء إليها بشيء . وقيل : إنها رمز إلى قوله " الحديث " . وأهل المغرب إذا وصلوا إليها يقولون : الحديث . وقد كتب جماعة عن حفاظ عراق العجم موضعها " صح " ، فيشعر بأنها رمز صحيح ، وحسن هنا كتابة صح ؛ لئلا يتوهم أنه سقط متن الإسناد الأول ، وهي كثيرة في صحيح مسلم قليلة في البخاري
.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري هاهنا كما ترى ، وأخرجه أيضا في الرقاق مختصرا عن محمد بن سنان عن فليح بن سليمان عن هلال بن علي - به ، ولم يخرجه من أصحاب الستة غيره .
بيان اللغات : قوله " أعرابي " هو الذي يسكن البادية ، وهو منسوب إلى الأعراب ساكني البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلا لحاجة ، والعرب اسم لهذا الجيل المعروف من الناس ، ولا واحد له من لفظه سواء أقام بالبادية أو المدن ، والنسبة إليه عربي . وليس الأعراب جمعا لعرب ، ولم يعرف اسم هذا الأعرابي .
قوله " الساعة " ، قال الأزهري : الساعة الوقت الذي تقوم فيه القيامة ، وسميت بذلك لأنها تفجأ الناس في ساعة ، فيموت الخلق كلهم بصيحة واحدة . وفي العباب : الساعة القيامة .
قلت : أصله سوعة ؛ قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها .
قوله " وسد " من وسدته الشيء فتوسده إذا جعله تحت رأسه ، والمعنى إذا فوض الأمر وأسند . وفي المطالع : إذا وسد الأمر إلى غير أهله - كذا لكافة الرواة ؛ أي أسند وجعل إليهم وقلدوه . وعند القابسي " أسد " ، وقال : الذي أحفظ " وسد " . وقال : هما بمعنى . قال القاضي : هو كما قال . وقد قالوا : وساد وأساد ، واشتقاقها واحد ، والواو هنا بعد الألف ، ولعلها صورة الهمزة . والوساد ما يتوسد إليه للنوم ، يقال : إساد وإسادة ووسادة . وفي العباب : الوساد والوسادة [2/6] والوسدة المخدة ، والجمع وسد ووسائد ، وسدته كذا أي جعلته له وسادة ، وتوسد الشيء جعله تحت رأسه .
وقال بعضهم : قوله " وسد " أي جعل له غير أهله وسادا . قلت : ليس معناه كذا ، بل المعنى : إذا وضعت وسادة الأمر لغير أهلها . والمراد من الأمر جنس الأمر الذي يتعلق بالدين ، فإذا وضعت وسادته لغير أهلها تهان وتحقر على ما نبينه عن قريب .
قوله " فانتظر " أمر من الانتظار .
بيان الإعراب : قوله " بينما " أصله بين فزيدت عليه ما ، وهو ظرف زمان بمعنى المفاجأة .
قوله : " النبي صلى الله عليه وسلم " مبتدأ .
وقوله " يحدث القوم " جملة من الفعل والفاعل والمفعول - خبره ، ويحدث يقتضي مفعولين ، وأحد المفعولين هاهنا محذوف لدلالة السياق عليه ، والقوم هم الرجال دون النساء ، وقد تدخل النساء فيه على سبيل التبع لأن قوم كل نبي رجال ونساء ، وجمعه أقوام ، وجمع الجمع أقاوم .
وقوله " في مجلس " حال .
قوله " جاءه أعرابي " جملة من الفعل والفاعل - وهو أعرابي - والمفعول وهو الضمير المنصوب في " جاءه " العائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو جواب " بينما " ، وهو العامل في " بينما " . وقال الأصمعي : الأفصح في جوابه أن لا يكون بإذ وإذا - وقال غيره بالعكس ، والصواب معه لورود الحديث هكذا . وقيل : " بينما " ظرف يتضمن معنى الشرط ، فلذلك اقتضى جوابا - وفيه نظر .
قوله " متى الساعة ؟ " مبتدأ وخبر ، وكلمة " متى " هاهنا للاستفهام .
قوله " يحدث " ؛ أي يحدث القوم ، وفي بعض الروايات " بحديثه " بحرف الجر ، وفي رواية المستملي والحموي " يحدثه " بزيادة الهاء وليست في رواية الباقين . والضمير المنصوب فيه لا يعود على الأعرابي ، وإنما التقدير يحدث القوم الحديث الذي كان فيه .
فإن قلت : ما محل " يحدث " من الإعراب ؟ قلت : محلها النصب على الحال من الضمير الذي في " مضى " .
قوله " فقال بعض القوم " ، من هاهنا إلى قوله " لم يسمع " جملة معترضة . فإن قلت : هل يجوز الاعتراض بالفاء ؟ قلت : نعم ، جائز .
قوله " سمع " ؛ أي النبي صلى الله عليه وسلم .
قوله " ما قال " ؛ أي الأعرابي ، وما موصولة ، وقال جملة صلته والعائد محذوف أي ما قاله ، والجملة مفعول " سمع " ، ويجوز أن تكون " ما " مصدرية - أي سمع قوله ، وكذا الكلام في قوله " فكره ما قال " .
قوله " بل لم يسمع " ، قال الكرماني : علام عطف " بل لم يسمع " ؛ إذ لا يصح أن يعطف على ما تقدم ، إذ الإضراب إنما يكون عن كلام نفسه ، بل لا يصح عطف أصلا على كلام غير العاطف ! قلت : لا نسلم امتناع صحة العطف والإضراب بين كلام متكلمين ، وما الدليل عليه ؟ سلمنا ، لكن يكون الكل من كلام البعض الأول ، كأنه قال البعض الآخر للبعض الأول : قل بل لم يسمع . أو كلام البعض الآخر بأن يقدر لفظ " سمع " قبله ، كأنه قال : سمع ، بل لم يسمع .
قلت : هذا كله تعسف نشأ من عدم الوقوف على أسرار العربية ، فنقول : التحقيق هاهنا أن كلمة " بل " حرف إضراب ، فإن تلاها جملة كان معنى الإضراب إما الإبطال وإما الانتقال عن غرض إلى غرض ، وإن تلاها مفرد فهي عاطفة ، وهاهنا تلاها جملة ؛ أعني قوله " لم يسمع " ، فكان الإضراب بمعنى الإبطال .
قوله " حتى إذا قضى " يتعلق بقوله " فمضى يحدث " ، لا بقوله " لم يسمع " .
قوله " قال : أين أراه السائل " ؛ أي قال النبي صلى الله عليه وسلم .
وقوله " أراه " بضم الهمزة ، معناه أظن ، وهو شك من محمد بن فليح ، ورواه الحسن بن سفيان وغيره عن عثمان بن أبي شيبة عن يونس عن محمد بن فليح من غير شك ، ولفظه : قال أين السائل ؟
فإن قلت : السائل مرفوع بماذا ؟ قلت : مرفوع على الابتداء ، وخبره قوله " أين " مقدما ، وأين سؤال عن المكان بنيت لتضمنها حرف الاستفهام . وقول بعضهم " السائل بالرفع على الحكاية " خطأ ، بل هو رفع على الابتداء كما قلنا .
وقوله : " أراه " جملة معترضة بين المبتدأ والخبر ، والمعنى أظن أنه قال " أين السائل " .
قوله " قال " ؛ أي الأعرابي ، " ها " حرف التنبية ، وفي العباب " هاء " بالمد تكون تنبيها بمعنى جوابا . وقال الجوهري : ها قد تكون جواب النداء تمد وتقصر ، وأيضا ها مقصورة للتقريب ، إذا قيل لك أين أنت ؟ تقول : ها أنا ذا .
قوله " أنا " مبتدأ ، وخبره محذوف ؛ أي أنا سائل ، وإنما ترك العاطف عند " قال " في الموضعين السؤال والجواب لأن المقام كان مقام المقاولة ، والراوي يحكي ذلك ، كأنه لما قال الأعرابي ذلك سأل سائل ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في جوابه ؟ وبالعكس .
قوله " فإذا ضيعت الأمانة " ، كلمة " إذا " تضمن معنى الشرط ، ولهذا جاء جوابها بالفاء وهو قوله " فانتظر الساعة " .
قوله " قال : كيف إضاعتها " ؛ أي قال الأعرابي : كيف إضاعة الأمانة ، وفي بعض النسخ " فقال " بالفاء ، وما بعده من قال في الموضعين بلا فاء ، ووجهه أن السؤال عن كيفية الإضاعة متفرع على ما قبله ، فلهذا عقبه بالفاء بخلاف أختيه .
قوله " قال : إذا وسد الأمر إلى غير أهله " جواب لقوله " كيف إضاعتها ؟ " ، فإن قلت : السؤال إنما هو عن كيفية الإضاعة لقوله " كيف " ، والجواب هو بالزمان لا بيان الكيفية - فما وجهه ؟ قلت : ذاك متضمن للجواب ؛ إذ يلزم منه بيان [2/7] أن كيفيتها هي بالتوسد المذكور .
قوله " فانتظر الساعة " ، الفاء فيه للتفريع أو جواب شرط محذوف ؛ يعني إذا كان الأمر كذلك فانتظر الساعة ، وليست هي جواب " إذا " التي في قوله " إذا وسد الأمر إلى غير أهله " ؛ لأنها لا تتضمن هاهنا معنى الشرط . فإن قلت : كان ينبغي أن يقال : لغير أهله ! قلت : إنما قال " إلى غير أهله " ليدل على معنى تضمين الإسناد .
بيان المعاني : قوله " متى الساعة " ؛ أي متى يكون قيام الساعة .
قوله " فكره ما قال " ؛ أي فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قاله الأعرابي ، ولهذا لم يلتفت إلى الجواب ، فلذلك حصل للصحابة رضي الله عنهم التردد ؛ منهم من قال " سمع فكره " ، ومنهم من قال " لم يسمع " ؛ وذلك لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يكره السؤال عن هذه المسألة بخصوصها .
قوله " أين السائل عن الساعة ؟ " ؛ أي عن زمان الساعة .
قوله " إذا وسد الأمر " ، المراد به جنس الأمور التي تتعلق بالدين كالخلافة والقضاء والإفتاء ونحو ذلك ، ويقال : أي بولاية غير أهل الدين والأمانات ومن يعينهم على الظلم والفجور ، وعند ذلك تكون الأئمة قد ضيعوا الأمانة التي فرض الله عليهم حتى يؤتمن الخائن ويخون الأمين ، وهذا إنما يكون إذا غلب الجهل وضعف أهل الحق عن القيام به .
فإن قلت : تأخر الجواب عن السؤال هاهنا ، وهل يجوز تأخيره فيما يتعلق بالدين ؟ قلت : الجواب من وجهين ؛ الأول بطريق المنع ، فنقول : لا نسلم استحقاق الجواب هاهنا ؛ لأن المسألة ليست مما يجب تعلمها ، بل هي مما لا يكون العلم بها إلا لله تعالى . والثاني بطريق التسليم ، فنقول : سلمنا ذلك ، ولكنه يحتمل أن يكون - عليه السلام - مشتغلا في ذلك الوقت بما كان أهم من جواب هذا السائل ، ويحتمل أنه أخره انتظارا للوحي أو أراد أن يتم حديثه لئلا يختلط على السامعين ، ويحتمل أن يكون في ذلك الوقت في جواب سؤال سائل آخر متقدم فكان أحق بتمام الجواب .
بيان استنباط الأحكام ، وهو على وجوه ؛ الأول : فيه وجوب تعليم السائل ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم " أين السائل " ، ثم إخباره عن الذي سأل عنه .
الثاني : فيه أن من آداب المتعلم أن لا يسأل العالم ما دام مشتغلا بحديث أو غيره ؛ لأن من حق القوم الذين بدأ بحديثهم أن لا يقطعه عنهم حتى يتمه .
الثالث : فيه الرفق بالمتعلم وإن جفا في سؤاله أو جهل ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يوبخه على سؤاله قبل إكمال حديثه .
الرابع : فيه مراجعة العالم عند عدم فهم السائل ؛ لقوله " كيف إضاعتها " .
الخامس : فيه جواز اتساع العالم في الجواب أنه ينبغي منه إذا كان ذلك لمعنى أو لمصلحة .
السادس : فيه التنبيه على تقديم الأسبق في السؤال ؛ لأنا قلنا إنه يحتمل أن يكون تأخير الرسول صلى الله عليه وسلم الجواب لكونه مشغولا بجواب سؤال سائل آخر ، فنبه بذلك أنه يجب على القاضي والمفتي والمدرس تقديم الأسبق لاستحقاقه بالسبق .