|
باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والعلو في الدين والبدع
أي هذا باب في بيان ما يكره من التعمق ، وهو التشدد في الأمر حتى يتجاوز الحد فيه ، قوله : " والتنازع في العلم " أي التجادل فيه ، يعني عند الاختلاف في الحكم إذا لم يتضح الدليل فيه ، قوله : " والغلو " بضم الغين المعجمة واللام وتشديد الواو وهو التجاوز في الحد ، قاله الكرماني ، قلت : الغلو فوق التعمق ، وهو من غلا في الشيء يغلو غلوا وغلا في السعر يغلو غلاء ، وورد النهي عنه صريحا فيما أخرجه النسائي وابن ماجه والحاكم من طريق أبي العالية ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فذكر حديثا وفيه : " وإياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من قبلكم الغلو في الدين " وهو مثل البحث في الربوبية حتى يحصل نزغة من نزغات الشيطان فيؤدي إلى الخروج عن الحق ، والذين غلوا في الفكرة آل بهم الأمر إلى أن جعلوا آلهة ثلاثة ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، قوله : " والبدع " جمع بدعة ، وهي ما لم يكن له أصل في الكتاب والسنة ، وقيل إظهار شيء لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم . لقوله تعالى : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ
احتج بهذه الآية على تحريم الغلو في الدين ، وأهل الكتاب : اليهود والنصارى ، وإذا قلنا إن لفظ أهل الكتاب للتعميم يتناول غير اليهود والنصارى بالإلحاق . 70 - حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا هشام ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تواصلوا ، قالوا : إنك تواصل ، قال : إني لست مثلكم ، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني ، فلم ينتهوا عن الوصال ، قال : فواصل بهم النبي صلى الله عليه وسلم يومين أو ليلتين ثم رأوا الهلال ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لو تأخر الهلال لزدتكم ، كالمنكل لهم .
قيل لا مطابقة بين الحديث والترجمة هنا أصلا ، ورد بأن عادته جرت بإيراد ما لا يطابق الترجمة ظاهرا ؛ لكن يناسبها طريق [25/38] من طرق الحديث الذي يورده ، وهنا كذلك . ومضى في حديث أنس في كتاب التمني قال : " واصل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم آخر الشهر ، وواصل أناس من الناس ، فبلغ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال : لو مد بي الشهر لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم ، إني لست مثلكم ، إني أظل يطعمني ربي ويسقيني " فإن هذا يطابق الترجمة ، وحديث الوصال واحد وإن كان رواية الصحابة متعددة ، وقد رواه في كتاب الصيام في ثلاثة أبواب عن أنس وابن عمر وابن سعيد ، وعن عائشة وأبي هريرة ، وحديث الباب رواه في باب التنكيل لمن أكثر الوصال ، أخرجه هناك عن أبي اليمان ، عن شعيب ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، وهنا أخرجه عن عبد الله بن محمد المعروف بالمسندي ، عن هشام بن يوسف اليماني قاضيها ، عن معمر بفتح الميمين ابن راشد ، عن محمد بن مسلم الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف . قوله : " لا تواصلوا " أي في الصوم ، قوله : " إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني " قيل : إذا كان يطعمه الله لا يكون مواصلا بل مفطرا ، وأجيب بأن المراد بالإطعام لازمه وهو التقوية ، أو المراد من طعام الجنة وهو لا يفطر آكله ، قوله : " فلم ينتهوا عن الوصال " قيل : لم خالفوا النهي ؟ وأجيب بأنهم ظنوا أنه ليس للتحريم ، قوله : " لزدتكم " أي في المواصلة حتى تعجزوا عنه وعن سائر الطاعات ، قوله : " كالمنكل " أي كالمعاقب ، من التنكيل وهو التعذيب ، ومنه النكال ، هكذا رواية الأكثرين والكشميهني ، ويروى " كالمنكي " بضم الميم وسكون النون وبعد الكاف ياء آخر الحروف ساكنة من النكاية والإنكاء ، وهو رواية أبي ذر عن السرخسي ، وعن المستملي " كالمنكر " من الإنكار ، ومضى في كتاب الصوم من طريق شعيب عن الزهري " كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا " .
|