73 - حدثني محمد بن مقاتل ، أخبرنا وكيع ، عن نافع بن عمر ، عن ابن أبي مليكة ، قال : كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر ، لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد بني تميم ، أشار أحدهما بالأقرع بن حابس التيمي الحنظلي أخي بني مجاشع ، وأشار الآخر بغيره ، فقال أبو بكر لعمر : إنما أردت خلافي ، فقال عمر : ما أردت خلافك ، فارتفعت أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ إلى قوله : عظيم .
قال ابن أبي مليكة ، قال ابن الزبير : فكان عمر بعد ، ولم يذكر ذلك عن أبيه ، يعني أبا بكر ، إذا حدث النبي صلى الله عليه وسلم بحديث حدثه كأخي السرار ، لم يسمعه حتى يستفهمه .


مطابقته للجزء الثاني وهو التنازع في العلم تؤخذ من قوله : " فارتفعت أصواتهما " أي أصوات أبي بكر وعمر رضي الله [25/40] تعالى عنهما ، كما يجيء الآن ، وكان تنازعهما في تولية اثنين في الإمارة ، كل منهما كان يريد تولية خلاف ما يريده الآخر فتحاربا على ذلك عند النبي صلى الله عليه وسلم وارتفعت أصواتهما ، فأنزل الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ إلى قوله : عظيم ؛ إنما قلنا تنازعهما في العلم لأن كلا منهما أشار بالتولية لكل واحد من الاثنين واختلفا ، وقد ذكرنا أن معنى التنازع في العلم الاختلاف .
وشيخ البخاري محمد بن مقاتل أبو الحسن المروزي المجاور بمكة ، ونافع بن عمر الجمحي يروي عن عبد الله بن أبي مليكة بضم الميم واسمه زهير الأحول المكي القاضي على عهد عبد الله بن الزبير .
والحديث قد مضى في تفسير سورة الحجرات ، فإنه أخرجه هناك عن يسرة بن صفوان ، عن نافع بن عمر ، إلى آخره .
قوله : " الخيران " تثنية خير بفتح الخاء المعجمة وتشديد الياء آخر الحروف المكسورة ، وأراد بهما أبا بكر وعمر ، وفسرهما بقوله : " أبو بكر وعمر " أي هما أبو بكر وعمر ، قوله : " لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد بني تميم " وفي الرواية المتقدمة " ركب بني تميم " قوله : " أشار أحدهما " أي أحد الخيرين وهو عمر رضي الله تعالى عنه بتأمير الأقرع بن حابس الحنظلي أخي بني مجاشع ، أي واحد منهم ، وبنو مجاشع بضم الميم وبالجيم والشين المعجمة المكسورة ابن دارم بن مالك بن زيد مناة بن تميم ، وكانت عامتهم بالبصرة ، قوله : " وأشار الآخر " أراد به أبا بكر رضي الله تعالى عنه ، قوله : " بغيره " أي بغير الأقرع وهو القعقاع بن معبد بن زرارة التميمي أحد وفد بني تميم ، وكانا يطلبان الإمارة ، ولما تنازع أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما في ذلك وارتفعت أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم نزلت : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ إلى قوله : عظيم ، وقيل نزلت في غير ذلك على ما ذكره في التفسير ، قوله : " ولا تجهروا له بالقول " أي في المخاطبة ، وقيل لا تدعوه باسمه يا محمد كما يدعو بعضكم بعضا ، قوله : " أن تحبط أعمالكم " أي خشية أن تحبط أعمالكم والحال " أنتم لا تشعرون " أي لا تعلمون ، قوله : " إن الذين يغضون أصواتهم " الغض النقص من كل شيء ، قوله : " للتقوى " أي أخلص من المعصية ، قوله : " قال ابن الزبير " أي عبد الله بن الزبير ، " فكان عمر بعد " أي بعد نزول هذه الآية إذا حدث النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخره ، قوله : " ولم يذكر عن أبيه " يعني أبا بكر ، معترض بين قوله : " بعد " وبين قوله : " إذا حدث " وفسر قوله : " عن أبيه " بقوله : " يعني أبا بكر " ولم يكن أبو بكر أبا لعبد الله بن الزبير حقيقة ، وإنما كان جده للأم ، وأطلق عليه الأب وفهم منه أن الجد للأم يسمى أبا كما في قوله تعالى : وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ والجد للأم داخل في ذلك ، قوله : " كأخي السرار " قال أبو العباس النحوي : لفظ أخي صلة أي صاحب المشاورة ، والسرار بكسر السين ، وقال ابن الأثير : " كأخي السرار " السرار المساررة أي كصاحب السرار ، وكمثل المساررة لخفض صوته ، قوله : " لم يسمعه بضم الياء " أي لم يسمع عمر النبي صلى الله عليه وسلم حديثه حتى يستفهم النبي صلى الله عليه وسلم منه من الاستفهام وهو طلب الفهم .