باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس

أي هذا باب في بيان ما يذكر من ذم الرأي الذي يكون على غير أصل من الكتاب أو السنة أو الإجماع ، وأما الرأي الذي يكون على أصل من هذه الثلاثة فهو محمود وهو الاجتهاد ، قوله : " وتكلف القياس " الذي لا يكون على هذه الأصول لأنه ظن ، وأما القياس الذي يكون على هذه الأصول فغير مذموم وهو الأصل الرابع المستنبط من هذه ، والقياس هو الاعتبار ، والاعتبار مأمور به فالقياس مأمور به ، وذلك لقوله تعالى : فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ فالقياس إذا مأمور به فكان حجة ، فإن قلت : روى البيهقي من طريق مجاهد ، عن الشعبي ، عن عمرو بن حويرث ، عن عمر قال : إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن ، أغنتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي ، فضلوا وأضلوا ، قلت : في صحته نظر ، ولئن سلمنا فإنه أراد به الرأي مع وجود النص .
[25/44] ولا تقف : لا تقل ، ما ليس لك به علم

احتج به لما ذكره من ذم التكلف ثم فسر القفو بالقول وهو من كلام ابن عباس ، أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه ، وقال أبو عبيدة : معناه لا تتبع ما لا تعلم وما لا يعنيك ، وقال الراغب : الاقتفاء اتباع القفا كما أن الارتداف اتباع الردف ، ويكنى بذلك عن الاغتياب وتتبع المعائب ، ومعنى وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ لا تحكم بالقيافة والظن ، وهو حجة على من يحكم بالقائف .
78 - حدثنا سعيد بن تليد ، حدثنا ابن وهب ، حدثني عبد الرحمن بن شريح وغيره ، عن أبي الأسود ، عن عروة قال : حج علينا عبد الله بن عمرو ، فسمعته يقول : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاهموه انتزاعا ؛ ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم ، فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم ، فيضلون ويضلون ، فحدثت به عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم .
ثم إن عبد الله بن عمرو حج بعد ، فقالت : يا ابن أختي انطلق إلى عبد الله فاستثبت لي منه الذي حدثتني عنه ، فجئته فسألته فحدثني به كنحو ما حدثني ، فأتيت عائشة فأخبرتها فعجبت ، فقالت : والله لقد حفظ عبد الله بن عمرو .


مطابقته للترجمة في قوله : " فيفتون برأيهم " الذي هو غير مبني على أصل من الكتاب أو السنة أو الإجماع .
وسعيد بن تليد بفتح التاء المثناة من فوق وكسر اللام على وزن عظيم ، وهو سعيد بن عيسى بن تليد ، نسب إلى جده أبو عثمان المصري ، يروي عن عبد الله بن وهب ، عن عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني ، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن ، قوله : " وغيره " هو عبد الله بن لهيعة ، أبهمه البخاري لضعفه عنده ، واعتمد على عبد الرحمن بن شريح .
والحديث مضى في كتاب العلم في باب كيف يقبض العلم ، وأخرجه مسلم في القدر عن قتيبة وآخرين ، وأخرجه الترمذي في العلم عن هارون بن إسحاق ، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن رافع وغيره ، وأخرجه ابن ماجه في السنة عن أبي كريب وغيره .
قوله : " حج علينا " أي مارا علينا ، قوله : " عبد الله بن عمرو " أي ابن العاص ، قوله : " أعطاهموه " كذا في رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني ، وفي رواية غيرهم " أعطاكموه " ، قوله : " انتزاعا " نصب على المصدرية ، ووقع في رواية حرملة " لا ينزع العلم من الناس " وفي الرواية المتقدمة في كتاب العلم من طريق مالك " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد " وفي رواية الحميدي في مسنده " من قلوب العباد " وعند الطبراني " إن الله لا ينزع العلم من صدور الناس بعد أن يعطيهم إياه " ، قوله : " مع قبض العلماء بعلمهم " أي يقبض العلماء مع علمهم ، وقال الكرماني : أو يراد من لفظ " بعلمهم " بكتبهم ، بأن يمحى العلم من الدفاتر ويبقى مع على المصاحبة أو مع بمعنى عند ، قوله : " يستفتون " على صيغة المجهول أي يطلب منهم الفتوى ، قوله : " فيفتون " بضم الياء على صيغة المعلوم من الإفتاء ، قوله : " فيضلون " بفتح الياء ، قوله : " ويضلون " بضم الياء من الإضلال ، قوله : " فحدثت به عائشة " أي قال عروة : حدثت بهذا الحديث عائشة أم المؤمنين ، قوله : " بعد " أي بعد تلك السنة والحجة ، قوله : " فقالت : يا ابن أختي " أي فقالت عائشة لعروة يا ابن أختي ، لأن عروة ابن أسماء أخت عائشة ، قوله : " فاستثبت لي منه " أي من عبد الله بن عمرو ، قوله : " كنحو ما حدثني " أي في مرته الأولى ، قوله : " فعجبت " أي عائشة من جهة أنه ما غير حرفا منه .