باب قول الله - عز وجل - : لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ

[25/104] أي : هذا باب في قول الله - عز وجل - : لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ واليد هنا القدرة ، وقال أبو المعالي : ذهب بعض أئمتنا إلى أن اليدين والعينين والوجه صفات ثابتة للرب ، والسبيل إلى إثباتها السمع دون قضية العقل ، والذي يصح عندنا حمل اليدين على القدرة والعينين على البصر والوجه على الوجود ، وقال ابن بطال : في هذه الآية ثبات اليدين لله تعالى وليستا بجارحتين خلافا للمشبهة من المثبتة وللجهمية من المعطلة .
39 - حدثنا معاذ بن فضالة ، حدثنا هشام ، عن قتادة ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يجمع الله المؤمنين يوم القيامة كذلك فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا ، فيأتون آدم فيقولون : يا آدم أما ترى الناس ، خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء ، شفع لنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا ، فيقول : لست هناك ، ويذكر لهم خطيئته التي أصاب ، ولكن ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ، فيأتون نوحا فيقول : لست هناكم ، ويذكر خطيئته التي أصاب ، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن ، فيأتون إبراهيم فيقول : لست هناكم ، ويذكر لهم خطاياه التي أصابها ، ولكن ائتوا موسى عبدا آتاه الله التوراة وكلمه تكليما ، فيأتون موسى فيقول : لست هناكم ، ويذكر لهم خطيئته التي أصاب ، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمته وروحه ، فيأتون عيسى فيقول : لست هناكم ، ولكن ائتوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - عبدا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فيأتوني فأنطلق فأستأذن على ربي فيؤذن لي عليه ، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدا ، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقال لي : ارفع محمد ، وقل يسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع ، فأحمد ربي بمحامد علمنيها ، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ، ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا ، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقال : ارفع محمد ، وقل يسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع ، فأحمد ربي بمحامد علمنيها ربي ، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ، ثم أرجع ، فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا ، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقال : ارفع محمد ، قل يسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع ، فأحمد ربي بمحامد علمنيها ، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ، ثم أرجع فأقول : يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود . قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة ، ثم يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة ، ثم يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله وكان في قلبه ما يزن من الخير ذرة .

مطابقته للترجمة في قوله : خلقك الله بيده .
ومعاذ بن فضالة بفتح الفاء وتخفيف الضاد المعجمة ، وحكي ضم الفاء ، وهشام هو الدستوائي .
والحديث مضى في أول تفسير سورة البقرة عن مسلم بن إبراهيم عن هشام ، وعن خليفة عن يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة ، ومضى الكلام فيه .
قوله : " يجمع الله المؤمنين " يتناول كل المؤمنين من الأمم الماضية . قوله : " كذلك " أي : مثل الجمع الذي نحن عليه . قوله : " لو استشفعنا " الجزاء محذوف أو كلمة لو للتمني فلا يحتاج إلى الجزاء . قوله : " يريحنا " بضم الياء [25/105] وكسر الراء من الإراحة . قوله : " من مكاننا هذا " أي : من الموقف بأن يحاسبوا ويخلصوا من حر الشمس والغموم والكروب وسائر الأهوال مما لا يطيقون ولا يحملون . قوله : " أما ترى الناس " أي : فيما هم فيه . قوله : " شفع " أمر من التشفيع ، وهو قبول الشفاعة ، قال الكرماني : وهو لا يناسب المقام ، اللهم إلا أن يقال : هو تفعيل للتكثير والمبالغة ، وفي بعض النسخ : اشفع أمر من شفع يشفع . قوله : " لست هناك " أي : ليس لي هذه المرتبة والمنزلة ، هكذا رواية الأكثرين في الموضعين ، وفي رواية أبي ذر عن السرخسي : هناكم . قوله : " خطيئته التي أصاب " وهي أكل الشجرة . قوله : " نوحا " بالتنوين منصرف لسكون أوسطه . قوله : " فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض " ، قال الكرماني : مفهومه أن آدم - عليه السلام - ليس برسول ، وأجاب بأنه لم يكن للأرض أهل وقت آدم ، وهو مقيد بذلك ، انتهى ، قلت : كذا ذكر صاحب التوضيح السؤال والجواب ، وهو في الحقيقة من كلام ابن بطال ، وكذا قاله الداودي ، ثم قال ابن بطال : فإن قيل : لما تناسل منه ولده وجب أن يكون رسولا إليهم ، قيل : لما أهبط آدم - عليه السلام - إلى الأرض علمه الله أحكام دينه وما يلزمه من طاعة ربه ، ولما حدث ولده بعده حملهم على دينه وما هو عليه من شريعة ربه ، كما أن الواحد منا إذا ولد له ولد يحمله على سنته وطريقته ، ولا يستحق بذلك أن يسمى رسولا ، وإنما سمي نوح رسولا ؛ لأنه بعث إلى قوم كفار ليدعوهم إلى الإيمان ، قلت : لقائل أن يقول : إن قابيل لما قتل هابيل وهرب من آدم وعصى عليه ومعه أولاده ، فآدم دعاهم إلى الطاعة وإلى دينه ، فهذا يطلق عليه أنه أرسل إليهم ، فإذا صح هذا يحتاج إلى جواب شاف في الوجه بين هذا وبين قوله : " - عليه السلام - " فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ، وهنا شيء آخر ، وهو أن أهل التاريخ ذكروا أن إدريس - عليه السلام - جد نوح ، فإن صح أن إدريس رسول لم يصح قولهم إنه قبله ، وإلا احتمل أن يكون إدريس غير مرسل . قوله : " ويذكر خطيئته التي أصاب " وهي دعوته : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا قوله : " خطاياه " وخطايا إبراهيم - عليه السلام - كذباته الثلاث إِنِّي سَقِيمٌ و بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ و ( إنها أختي ) أي : سارة - عليها السلام - . قوله : " وكلمته " لوجوده بمجرد قول كن . قوله : " وروحه " لنفخ الروح في مريم عليها السلام . قوله : " فيؤذن لي " ، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني : ويؤذن لي بالواو . قوله : " فيدعني " أي : يتركني . قوله : " ارفع " أي : رأسك يا محمد . قوله : " وقل يسمع " بالياء آخر الحروف في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر عن السرخسي والكشميهني بالتاء المثناة من فوق . قوله : " وسل تعطه " ، وفي رواية أبي ذر عن المستملي : تعط بلا هاء في الموضعين . قوله : " واشفع تشفع " أي : تقبل شفاعتك . قوله : " فيحد لي حدا " أي : يعين لي قوما مخصوصين للتخليص ، وذلك إما بتعيين ذواتهم وإما ببيان صفاتهم . قوله : " إلا من حبسه القرآن " إسناد الحبس إليه مجاز ، يعني من حكم الله في القرآن بخلوده وهم الكفار ، قال الله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ونحوه ، قيل : أول الحديث يشعر بأن هذه الشفاعة في العرصات لخلاص جميع أهل الموقف من أهواله ، وآخره يدل على أنها للتخليص من النار ، وأجيب بأن هذه شفاعات متعددة ، فالأولى لأهوال الموقف ، وهو المستفاد من : يؤذن لي عليه . قوله : " قال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - " هو موصول بالإسناد الأول ، وليس بإرسال ولا تعليق . قوله : " من الخير " من الإيمان . قوله : " ما يزن " أي : ما يعدل . قوله : " ذرة " بفتح الذال المعجمة . وفي الحديث بيان فضيلة النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - حيث أتى بما خاف منه غيره ، وفيه شفاعته لأهل الكبائر من أمته خلافا للمعتزلة والقدرية والخوارج فإنهم ينكرونها ، وفيه الدلالة على وقوع الصغائر منهم ، نقله ابن بطال عن أهل السنة ، وأطبقت المعتزلة والخوارج على أنه لا يجوز وقوعها منهم ، قلت : أنا على قولهم في هذه المسألة خاصة .