66 - حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن زيد ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري قال : قلنا : يا رسول الله ، هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ قال : هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوا ؟ قلنا : لا ، قال : فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما ، ثم قال : ينادي مناد ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم ، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم ، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم ، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر وغبرات من أهل الكتاب ، ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب ، فيقال لليهود : ما كنتم تعبدون ؟ قالوا : كنا نعبد عزيرا ابن الله ، فيقال : كذبتم ، لم يكن لله صاحبة ولا ولد ، فما تريدون ؟ قالوا : نريد أن تسقينا ، فيقال : اشربوا ، فيتساقطون في جهنم ، ثم يقال للنصارى : ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون : كنا نعبد المسيح ابن الله ، فيقال : كذبتم ، لم يكن لله صاحبة ولا ولد ، فما تريدون ؟ فيقولون : نريد أن تسقينا ، فيقال : اشربوا ، فيتساقطون ، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر ، فيقال لهم : ما يحبسكم وقد ذهب الناس ، فيقولون : فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم ، وإنا سمعنا مناديا ينادي : ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون ، وإنما ننتظر ربنا ، قال : فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه [25/128] فيه أول مرة ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : أنت ربنا ، فلا يكلمه إلا الأنبياء فيقول : هل بينكم وبينه آية تعرفونه ؟ فيقولون : الساق ، فيكشف عن ساقه ، فيسجد له كل مؤمن ، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة ، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا ، ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم ، قلنا : يا رسول الله ، وما الجسر ؟ قال : مدحضة مزلة ، عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدان ، المؤمن عليها كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب ، فناج مسلم وناج مخدوش ومكدوس في نار جهنم ، حتى يمر آخرهم يسحب سحبا ، فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمن يومئذ للجبار ، وإذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم يقولون : ربنا ، إخواننا الذين كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا ، فيقول الله تعالى : اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه ، ويحرم الله صورهم على النار ، فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه وإلى أنصاف ساقيه ، فيخرجون من عرفوا ، ثم يعودون فيقول : اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه ، فيخرجون من عرفوا ، ثم يعودون فيقول : اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه ، فيخرجون من عرفوا . قال أبو سعيد : فإن لم تصدقوني فاقرؤوا : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون ، فيقول الجبار : بقيت شفاعتي ، فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواما قد امتحشوا فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له ماء الحياة ، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل ، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة وإلى جانب الشجرة ، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر ، وما كان منها إلى الظل كان أبيض ، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ ، فيجعل في رقابهم الخواتيم فيدخلون الجنة ، فيقول أهل الجنة : هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه ، فيقال لهم : لكم ما رأيتم ومثله معه .

مطابقته للترجمة ظاهرة .
ويحيى بن بكير هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي المصري ، يروي عن الليث بن سعد ، عن خالد بن يزيد من الزيادة الجمحي ، عن سعيد بن أبي هلال الليثي المدني ، عن زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - عن عطاء بن يسار ضد اليمين ، عن أبي سعيد الخدري واسمه سعد بن مالك .
والحديث مضى في تفسير سورة النساء عن محمد بن عبد العزيز .
قوله : " تضارون " بالتخفيف ، أي : لا يلحقكم ضرر ولا يخالف بعضكم بعضا ولا تتنازعون ، ويروى بالتشديد ، أي : لا تضارون أحدا ، فتسكن الراء الأولى وتدغم في التي بعدها ، وحذف مفعوله لبيان معناه . قوله : " إذا كانت صحوا " أي : ذات صحو ، وفي الصحاح : أصحت السماء انقشع عنها الغيم فهي مصحية ، وقال الكسائي : فهي صحو ، ولا تقل مصحية . قوله : " إلا كما تضارون " بفتح التاء المثناة من فوق وضمها وتشديد الراء وتخفيفها . قوله : " وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم " ، وفي رواية : مع إلههم بالإفراد . قوله : " وغبرات " بضم الغين المعجمة وتشديد الباء الموحدة ، أي : بقايا ، وقال الكرماني : جمع غابر ، وليس كذلك ، بل هو جمع غبر ، وغبر الشيء بقيته ، وقال ابن الأثير : الغبرات جمع غبر ، والغبر جمع غابر . قوله : " كأنها سراب " هو الذي يتراءى للناس [25/129] في القاع المستوي وسط النهار في الحر الشديد لامعا ، مثل الماء يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا . قوله : " عزير " اسم منصرف ، وإن كانت فيه العجمة والعلمية مثل نوح ولوط . قوله : " فيقال كذبتم " قيل : كانوا صادقين في عبادة عزير ، وأجيب بأنهم كذبوا في كونه ابن الله . قال الكرماني : فإن قلت : المرجع هو الحكم الواقع لا المشار إليه فالصدق والكذب راجعان إلى الحكم بالعبادة لا إلى الحكم بكونه ابنا . قلت : إن الكذب راجع إلى الحكم بالعبادة المقيدة وهي منتفية في الواقع باعتبار انتفاء قيدها ، وهو في حكم القضيتين كأنهم قالوا : عزير هو ابن الله ونحن كنا نعبده فكذبهم في القضية الأولى .
قوله : " فيتساقطون " لشدة عطشهم وإفراط حرارتهم . قوله : " ما يحبسكم " بالحاء المهملة والباء الموحدة من الحبس هكذا في رواية الكشميهني أي : ما يمنعكم من الذهاب ، وفي رواية غيره " ما يجلسكم " بالجيم واللام من الجلوس أي : ما يقعدكم عن الذهاب . قوله : " فيقولون فارقناهم " أي : الناس في الدنيا وكنا في ذلك الوقت أحوج إليهم منا في هذا اليوم ، فكل واحد هو المفضل والمفضل عليه ، لكن باعتبار زمانين أي : نحن فارقنا أقاربنا وأصحابنا ممن كانوا يحتاج إليهم في المعاش؛ لزوما لطاعتك ومقاطعة لأعداء الدين ، وغرضهم منه التضرع إلى الله في كشف هذه خوفا من المصاحبة معهم في النار يعني كما لم نكن مصاحبين لهم في الدنيا لا نكون مصاحبين لهم في الآخرة .
قوله : " في صورة " أي : في صفة وأطلق الصورة على سبيل المشاكلة ، واستدل ابن قتيبة بذكر الصورة على أن لله صورة لا كالصور كما ثبت أنه شيء لا كالأشياء . وقال ابن بطال : تمسكت به المجسمة فأثبتوا لله صورة ، ولا حجة لاحتمال أن تكون بمعنى العلامة وضعها الله لهم دليلا على معرفته ، كما يسمى الدليل والعلامة صورة . قوله : " غير صورته التي رأوه أول مرة " قيل : يحتمل أن يشير بذلك إلى ما عرفوه حين أخرج ذرية آدم من صلبه ، ثم أنساهم ذلك في الدنيا ، ثم يذكرهم بها في الآخرة .
قوله : " فإذا رأينا ربنا عرفناه " قال ابن بطال عن المهلب : إن الله يبعث لهم ملكا ليختبرهم في اعتقاد صفات ربهم الذي ليس كمثله شيء ، فإذا قال لهم : أنا ربكم ردوا عليه لما رأوا عليه من صفة المخلوق ، فقوله : " فإذا جاء ربنا عرفناه " أي : إذا أظهر لنا في ملك لا ينبغي لغيره ، وعظمته لا تشبه شيئا من مخلوقاته فحينئذ يقولون : أنت ربنا . قال : وأما قوله : " هل بينكم وبينه آية تعرفونه ؟ فيقولون : الساق " فهذا يحتمل أن الله عرفهم على ألسنة الرسل من الملائكة والأنبياء أن الله جعل لهم علامة تجلية الساق . قوله : " يكشف " على صيغة المجهول ، والمعروف عن ساقه فسر الساق بالشدة أي : يكشف عن شدة ذلك اليوم وأمر مهول ، وهذا مثل تضربه العرب لشدة الأمر كما يقال : قامت الحرب على ساق . وجاء عن ابن عباس في قوله : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ قال : عن شدة من الأمر ، وقيل : المراد به النور العظيم ، وقيل : هو جماعة من الملائكة يقال : ساق من الناس ، كما يقال : رجل من جراد ، وقيل : هو ساق يخلقه الله خارجا عن السوق المعتادة ، وقيل : جاء الساق بمعنى النفس أي : تتجلى لهم ذاته . قوله : " رياء " أي : ليراه الناس . قوله : " وسمعة " أي : ليسمعه الناس . قوله : " فيذهب كيما يسجد " لفظة كي هنا بمنزلة لام التعليل في المعنى ، والعمل دخلت على كلمة ما المصدرية بعدها أن مضمرة تقديره يذهب لأجل السجود .
قوله : " طبقا واحدا " الطبق فقار الظهر أي : صار فقارة واحدة كالصفحة فلا يقدر على السجود ، وقيل : الطبق عظم رقيق يفصل بين كل فقارين ، وقال ابن بطال : تمسك به من أجاز تكليف ما لا يطاق من الأشاعرة ، والمانعون تمسكوا بقوله تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ورد عليهم بأن هذا ليس فيه تكليف ما لا يطاق ، وإنما هو خزي وتوبيخ إذ أدخلوا أنفسهم بزعمهم في جملة المؤمنين الساجدين في الدنيا ، وعلم الله منهم الرياء في سجودهم فدعوا في الآخرة إلى السجود كما دعي المؤمنون المحقون فيتعذر السجود عليهم ، وتعود ظهورهم طبقا واحدا ويظهر الله تعالى نفاقهم ، فأخبرهم وأوقع الحجة عليهم . قوله : " ثم يؤتى بالجسر " بفتح الجيم وكسرها حكاهما ابن السكيت والجوهري . قوله : " مدحضة " من دحضت رجله دحضا زلقت ، ودحضت الشمس عن كبد السماء زالت ، ودحضت حجته بطلت . قوله : " مزلة " من زلت الأقدام سقطت . وقال الكرماني : مزلة بكسر الزاي وفتحها بمعنى المزلقة أي : موضع تزلق فيه الأقدام ، ومدحضة أي : محل ميل الشخص وهما بفتح الميم ومعناهما متقاربان . قوله : " خطاطيف " جمع خطاف بالضم وهو الحديدة المعوجة كالكلوب يختطف بها الشيء والكلاليب جمع كلوب ، وقد مر تفسيره في الحديث الماضي . قوله : " وحسكة " بفتحات [25/130] وهي شوكة صلبة معروفة قاله ابن الأثير ، وقال صاحب التهذيب وغيره : الحسك نبات له ثمر خشن يتعلق بأصواف الغنم ، وربما اتخذ مثله من حديد وهو من آلات الحرب . وقال الجوهري : الحسك حسك السعدان ، والحسكة ما يعمل من حديد على مثاله . قوله : " مفلطحة " بضم الميم وفتح الفاء وسكون اللام وفتح الطاء المهملة وبالحاء المهملة أي : عريضة هكذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني " مطلفحة " بتقديم الطاء وتأخير الفاء واللام قبلها من طلفحه إذا أرقه ، والطلافح العراض ، والأول هو المعروف في اللغة يعني عريض يقال : فلطح القرص إذا بسطه وعرضه .
قوله : " عقيفاء " بضم العين المهملة وفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف وبالفاء ممدودا ، ويروى عقيفة على وزن كريمة ، وهي المنعطفة المعوجة . قوله : " المؤمن عليها " أي : يمر عليها كالطرف بكسر الطاء وهو الكريم من الخيل وبالفتح البصر يعني كلمح البصر ، وهذا هو الأولى لئلا يلزم التكرار . قوله : " وكأجاويد الخيل " جمع الأجواد وهو جمع الجواد وهو فرس بين الجودة بالضم رائع . قوله : " والركاب " الإبل واحدتها الراحلة من غير لفظها . قوله : " مسلم " بفتح اللام المشددة . قوله : " مخدوش " أي : مخموش ممزوق قاله الكرماني من الخمش بالمعجمتين ، وهو تمزيق الوجه بالأظافير . قوله : " ومكدوس " بالمهملتين أي : مصروع ، ويروى بالشين المعجمة أي : مدفوع مطرود ، ويروى مكردس بالمهملات من كردست الدواب إذا ركب بعضها بعضا يعني أنهم ثلاثة أقسام : قسم مسلم لا يناله شيء ، وقسم يخدش ثم يسلم ويخلص ، وقسم يسقط في جهنم . قوله : " وآخرهم " أي : آخر الناجين يسحب على صيغة المجهول . قوله : " فما أنتم بأشد لي مناشدة " أي : مطالبة . قوله : " قد تبين " جملة حالية . قوله : " من المؤمن " صلة أشد . قوله : " للجبار " ، وقوله : " في إخوانهم " كلاهما متعلق بمناشدة مقدرة أي : ليس طلبكم مني في الدنيا في شأن حق يكون ظاهرا لكم أشد من طلب المؤمنين من الله في الآخرة في شأن نجاة إخوانهم من النار ، والغرض شدة اعتناء المؤمنين بالشفاعة لإخوانهم .
قوله : " في إخوانهم " ، ويروى " وبقي إخوانهم " فإن قلت : المؤمن مفرد فلم جمع الضمير ؟ قلت : باعتبار الجمع المراد من لفظ الجنس ، وكان القياس أن يقال : إذا رأى بدون الواو ولكن قوله : " في إخوانهم " مقدم عليه حكما ، وهذا خبر مبتدأ محذوف أي : وذلك إذا رأوا نجاة أنفسهم يقولون : ربنا إخواننا إلخ . وقال الكرماني : يقولون استئناف كلام ، قلت : الذي يظهر من حل التركيب أنه جواب إذا والله أعلم . قوله : " فأخرجوه " صيغة أمر للجماعة قوله : " فيخرجون " بضم الياء من الإخراج قوله : " من عرفوا " مفعوله وكذلك البواقي قوله : " ذرة " بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء . وقال ابن الأثير سئل ثعلب عنها فقال : إن مائة نملة وزن حبة والذرة واحدة منها ، وقيل : الذرة ليس لها وزن ، ويراد بها ما يرى في شعاع الشمس الداخل في النافذة .
قوله : " قال أبو سعيد " هو الخدري راوي الحديث . قوله : " بأفواه الجنة " الأفواه جمع فوهة بضم الفاء وتشديد الواو المفتوحة على غير القياس ، وأفواه الأزقة والأنهار أوائلها ، والمراد مفتتح مسالك قصور الجنة . قوله : " في حافتيه " تثنية حافة بتخفيف الفاء وهي الجانب . قوله : " الخواتيم " أراد أشياء من الذهب تعلق في أعناقهم كالخواتيم علامة يعرفون بها ، وهم كاللآلئ في صفائهم . قوله : " بغير عمل عملوه " أي : في الدنيا ، ولا خير قدموه في الدنيا إلى الآخرة ، أراد مجرد الإيمان دون أمر زائد عليه من الأعمال والخيرات ، وعلم منه أن شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين فيمن كان له طاعة غير الإيمان الذي لا يطلع عليه إلا الله .