باب في المشيئة والإرادة وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ

أي : هذا باب في ذكر المشيئة والإرادة . قال الراغب : المشيئة عند الأكثر كالإرادة سواء ، وقال الكرماني : وللإرادة تعريفات مثل اعتقاد النفع في الفعل أو تركه ، والأصح أنها صفة مخصصة لأحد طرفي المقدر بالوقوع والمشيئة ترادفها ، وقيل : هي الإرادة المتعلقة بأحد الطرفين ، وفي التوضيح معنى الباب إثبات المشيئة والإرادة لله تعالى ، وإن مشيئته وإرادته ورحمته وغضبه وسخطه وكراهته كل ذلك بمعنى واحد ، أسماء مترادفة ، وهي راجعة كلها إلى معنى الإرادة كما يسمى الشيء الواحد بأسماء كثيرة ، وإرادته تعالى صفة من صفات ذاته خلافا لمن يقول من المعتزلة : إنها مخلوقة من أوصاف أفعاله .
وقوله تعالى : تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ، وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ، إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ، إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ

[25/145] وقوله : " بالجر " عطف على قوله : " في المشيئة والإرادة " وهذه الآيات تدل على إثبات الإرادة لله تعالى والمشيئة ، وأن العباد لا يريدون شيئا إلا وقد سبقت إرادة الله تعالى به ، وأنه خالق لأعمالهم طاعة كانت أو معصية ، فإن قلت : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ يدل على أنه لا يريد المعصية . قلت : ليس هذا على العموم ، وإنما هو خاص فيمن ذكر ولم يكلفه ما لا يطيق فعله ، وهذا من المؤمنين المفترض عليهم الصيام ، فالمعنى يريد الله بكم اليسر الذي هو التخيير بين صومكم في السفر وإفطاركم فيه ، ولا يريد بكم العسر الذي هو إلزامكم الصوم في السفر وكذلك تأويل قوله تعالى : وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ فإنه على الخصوص في المؤمنين الذين أراد منهم الإيمان ، فكان ما أراده منهم ذلك لا الكفر فلم يكن .
قال سعيد بن المسيب عن أبيه : نزلت في أبي طالب

أي : قال سعيد عن أبيه المسيب بن حزن القرشي المخزومي ، وكان سعيد ختن أبي هريرة على ابنته ، وأعلم الناس بحديث أبي هريرة ، والمسيب شهد بيعة الرضوان وسمع النبي صلى الله عليه وسلم في مواضع تقدم موصولا بتمامه في تفسير سورة القصص ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على إسلام أبي طالب .