باب قول الله تعالى : وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ولم يقل : ماذا خلق ربكم . وقال جل ذكره : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ

أي : هذا باب في قول الله عز وجل : وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلخ ، وغرض البخاري من ذكر هذه الآية بل من الباب كله [25/152] بيان كلام الله القائم بذاته ، ودليله أنه قال : ماذا قال ربكم ، ولم يقل : ماذا خلق ربكم ، وفيه رد للمعتزلة والخوارج والمرجئة والجهمية والنجارية؛ لأنهم قالوا : إنه متكلم يعني خالق الكلام في اللوح المحفوظ مثلا ، وفي هذا ثلاثة أقوال : قول أهل الحق أن القرآن غير مخلوق وأنه كلامه تعالى قائم بذاته لا ينقسم ولا يتجزأ أو لا يشبه شيئا من كلام المخلوقين ، والقول الثاني ما ذكرنا عن هؤلاء المذكورين ، والقول الثالث أن الواجب فيه الوقف فلا يقال : إنه مخلوق ولا غير مخلوق ، وفيه إثبات الشفاعة . قوله : " إِذَا فُزِّعَ " أي : إذا أزيل الخوف ، والتفعيل للإزالة والسلب ، وحاصل المعنى حتى إذا ذهب الفزع قالوا : ماذا قال ربكم ، فدل ذلك على أنهم سمعوا قولا لم يفهموا معناه من أجل فزعهم ، فقالوا : ماذا قال ربكم ولم يقولوا ماذا خلق ربكم . وأكد ذلك بما حكاه عن الملائكة أيضا قالوا الحق ، والحق إحدى صفتي الذات ، ولا يجوز على الله غيره لأنه لا يجوز على كلامه الباطل .
قوله : " مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ " قال ابن بطال : أشار بذلك إلى سبب النزول؛ لأنه جاء أنهم لما قالوا : شفعاؤنا عند الله الأصنام نزلت ، فأعلم الله أن الذين يشفعون عنده من الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما يشفعون فيمن يشفعون فيه بعد إذنه لهم في ذلك .
وقال مسروق عن ابن مسعود : إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات شيئا ، فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق ، ونادوا ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الحق .

أي : قال مسروق بن الأجدع الهمداني الوادعي عن عبد الله بن مسعود في تفسير الآية المذكورة : " سمع أهل السماوات شيئا " ، وفي رواية أبي داود وغيره : سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا ، وفي رواية الثوري الحديد بدل السلسلة ، وعند ابن أبي حاتم مثل صوت السلسلة ، وعنده في حديث النواس بن سمعان : إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماوات منه رجفة أو قال رعدة شديدة من خوف الله تعالى ، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدا . قوله : " عن قلوبهم " أي : قلوب الملائكة . قوله : " وسكن الصوت " أي : الصوت المخلوق لإسماع السماوات؛ إذ الدلائل القاطعة قائمة على تنزهه عن الصوت؛ لأنه مستلزم للحدوث؛ لأنه من الموجودات السيالة الغير القارة .
قوله : " ونادوا " ماذا قال ربكم ؟ قيل : ما فائدة السؤال وهم سمعوا ذلك ؟ وأجيب بأنهم سمعوا قولا ولم يفهموا معناه كما ينبغي لأجل فزعهم ، ثم هذا التعلق وصله البيهقي في الأسماء والصفات من طريق أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن مسلم بن صبيح وهو أبو الضحى عن مسروق ، ولفظه " إن الله عز وجل إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون ، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل عليه السلام ، فإذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم قال : ويقولون : يا جبريل ماذا قال ربكم ؟ قال : فيقول : الحق ، قال : فينادون الحق الحق . وقال البيهقي : ورواه أحمد بن شريح الرازي وعلي بن إشكاب وعلي بن مسلم ، ثلاثتهم عن أبي معاوية مرفوعا . أخرجه أبو داود في السنن عنهم ولفظه مثله ، إلا أنه قال : فيقولون : ماذا قال ربك ؟ قال : ورواه شعبة عن الأعمش موقوفا ، وجاء عنه مرفوعا أيضا .
ويذكر عن جابر ، عن عبد الله بن أنيس قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب ، أنا الملك أنا الديان

هذا تعليق بصيغة التمريض عن جابر بن عبد الله الصحابي الخزرجي الأنصاري المكثر في الحديث ، وهو مع كثرة روايته وعلو مرتبته رحل إلى الشام ، وأخذ يسمعه من عبد الله بن أنيس مصغر أنس بن سعد الجهني العقبي الأنصاري حليفا ، وفي التوضيح هذا أسنده الحارث بن أبي أسامة في مسنده من حديثه قال : بلغني حديث عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فاتبعت بعيرا فشددت عليه رحلي ، ثم سرت إليه فسرت شهرا حتى قدمت الشام ، فإذا عبد الله بن أنيس الأنصاري فذكره مطولا . قوله : " فيناديهم " أي : يقول ليدل على الترجمة كذا قاله الكرماني . قوله : " بصوت " أي : مخلوق غير قائم به ، قال [25/153] الكرماني : ما السر في كونه خارقا للعادة؛ إذ في سائر الأصوات التفاوت ظاهرا بين القريب والبعيد ؟ قلت : ليعلم أن المسموع منه كلام الله تعالى ، كما أن موسى عليه السلام كان يسمع من جميع الجهات كذلك . قوله : " أنا الملك وأنا الديان " أي : لا ملك إلا أنا ولا يجازي إلا أنا؛ إذ تعريف الخبر دليل الحصر ، واختار هذا اللفظ لأن فيه الإشارة إلى الصفات السبعة : الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام ليمكن المجازاة على الكليات والجزئيات قولا وفعلا .
107 - حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان ، عن عمرو ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله ، كأنه سلسلة على صفوان ، قال علي : وقال غيره : صفوان ينفذهم ذلك ، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير . قال علي : وحدثنا سفيان ، حدثنا عمرو ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة بهذا . قال سفيان : قال عمرو : سمعت عكرمة حدثنا أبو هريرة ، قال علي : قلت لسفيان قال : سمعت عكرمة قال : سمعت أبا هريرة قال : نعم ، قلت لسفيان : إن إنسانا روى عن عمرو ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة يرفعه أنه قرأ فزع ، قال سفيان : هكذا قرأ عمرو فلا أدري سمعه هكذا أم لا ، قال سفيان : وهي قراءتنا .

مطابقته للترجمة في قوله : " فإذا فزع عن قلوبهم " وعلي بن عبد الله هو المديني ، وسفيان هو ابن عيينة ، وعمرو هو ابن دينار . ومضى هذا الحديث بهذا السند في تفسير سورة الحجر .
قوله : " يبلغ به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم " أي : يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : " إذا قضى الله الأمر " ووقع في حديث ابن مسعود " إذا تكلم الله بالوحي " . قوله : " خضعانا " قال بعضهم : هو مصدر كغفران ، قلت : قال الخطابي وغيره : هو جمع خاضع ، وهذا أولى وانتصابه على الحالية . قوله : " كأنه " أي : كأن الصوت الحاصل من ضرب أجنحتهم صوت السلسلة على صفوان وهو الحجر الأملس . قوله : " قال علي " هو ابن المديني الراوي . " قال غيره " أي : غير سفيان صفوان ينفذهم ذلك يعني بزيادة لفظ الإنفاذ أي : ينفذ الله ذلك الأمر أو القول إلى الملائكة ، ويروى من النفوذ أي : ينفذ ذلك إليهم أو عليهم ، ويحتمل أن يراد أن غير سفيان " قال صفوان " بفتح الفاء باختلاف الطريقين في الفتح والسكون لا غير ، ويكون ينفذهم غير مختص بالغير بل مشترك بين سفيان وغيره . قوله : " فإذا فزع " قد مضى تفسيره .
قوله : " قال علي " هو ابن المديني أيضا . " حدثنا سفيان قال : حدثنا عمرو عن عكرمة ، عن أبي هريرة بهذا " أي : بهذا الحديث أراد بهذا أن سفيان حدثه عن عمرو بلفظ التحديث لا بالعنعنة كما في الطريق الأولى .
قوله : " قال سفيان قال عمرو " أي : قال سفيان بن عيينة : قال عمرو بن دينار : سمعت عكرمة قال : حدثنا أبو هريرة . قوله : " قال علي " هو ابن المديني أيضا . " قلت لسفيان بن عيينة قال عكرمة : قال : سمعت أبا هريرة ، قال : نعم " أي : قال سفيان : نعم سمعته ، وهذا يشعر بأن كلامه كان علي سبيل الاستفهام من سفيان . قوله : " قلت لسفيان " أي : قال علي أيضا قلت لسفيان بن عيينة : إن إنسانا روى عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة يرفعه أي : إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ فرغ بالراء والغين المعجمة من قولهم : فرغ الزاد إذا لم يبق منه شيء ، قال سفيان : هكذا قرأ عمرو بالراء والغين المعجمة ، قيل : كيف جازت القراءة إذا لم تكن مسموعة قطعا ؟ وأجيب بأنه لعل مذهبه جواز القراءة بدون السماع إذا كان المعنى صحيحا . قوله : " فلا أدري سمعه هكذا أم لا " أي : أسمعه عمرو عن عكرمة ، أو قرأها كذلك من قبل نفسه بناء على أنها قراءته . قوله : " قال سفيان " أي : ابن عيينة وهي قراءتنا يعني بالراء والغين المعجمة يريد سفيان أنها قراءة نفسه ، وقراءة من تبعه فيه .