143 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثني سليمان ، عن شريك بن عبد الله أنه قال : سمعت ابن مالك يقول ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة : إنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام ، فقال أولهم : أيهم هو فقال أوسطهم : هو خيرهم فقال آخرهم : خذوا خيرهم ، فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ، ولا ينام قلبه ، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ، فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم ، فتولاه منهم جبريل فشق جبريل ما بين [25/170] نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه ، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه ، ثم أتي بطست من ذهب فيه تور من ذهب محشوا إيمانا وحكمة فحشا به صدره ولغاديده يعني : عروق حلقه ، ثم أطبقه ، ثم عرج به إلى السماء الدنيا فضرب بابا من أبوابها ، فناداه أهل السماء من هذا ؟ فقال : جبريل قالوا : ومن معك ؟ قال : معي محمد قال : وقد بعث إليه ؟ قال : نعم قالوا : فمرحبا به وأهلا فيستبشر به أهل السماء ، لا يعلم أهل السماء ما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم ، فوجد في السماء الدنيا آدم فقال له جبريل : هذا أبوك فسلم عليه فسلم عليه ، ورد عليه آدم وقال : مرحبا وأهلا بابني نعم الابن أنت ، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان فقال : ما هذان النهران يا جبريل ؟ قال : هذان النيل والفرات عنصرهما ، ثم مضى به في السماء ، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد ، فضرب يده فإذا هو مسك أذفر قال : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك ، ثم عرج به إلى السماء الثانية ، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى : من هذا ؟ قال : جبريل قالوا : ومن معك ؟ قال : محمد صلى الله عليه وسلم ، قالوا : وقد بعث إليه ؟ قال : نعم قالوا : مرحبا به وأهلا ، ثم عرج به إلى السماء الثالثة ، وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية ، ثم عرج به إلى الرابعة فقالوا له مثل ذلك ، ثم عرج به إلى السماء الخامسة فقالوا له مثل ذلك ، ثم عرج به إلى السادسة فقالوا له مثل ذلك ، ثم عرج به إلى السماء السابعة فقالوا له مثل ذلك ، كل سماء فيها أنبياء قد سماهم ، فأوعيت منهم إدريس في الثانية ، وهارون في الرابعة ، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه ، وإبراهيم في السادسة ، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله فقال موسى : رب لم أظن أن يرفع علي أحد ، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى ، ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى الله فيما أوحى إليه خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة ، ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال : يا محمد ماذا عهد إليك ربك ؟ قال : عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة قال : إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم ، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك ، فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت فعلا به إلى الجبار فقال وهو مكانه : يا رب خفف عنا؛ فإن أمتي لا تستطيع هذا ، فوضع عنه عشر صلوات ، ثم رجع إلى موسى فاحتبسه فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات ، ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال : يا محمد والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه ، فأمتك أضعف أجسادا وقلوبا وأبدانا وأبصارا وأسماعا ، فارجع فليخفف عنك ربك ، كل ذلك يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبريل فرفعه عند الخامسة ، فقال : يا رب [25/171] إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم ، فخفف عنا فقال الجبار : يا محمد قال : لبيك وسعديك قال : إنه لا يبدل القول لدي كما فرضت عليك في أم الكتاب قال : فكل حسنة بعشر أمثالها ، فهي خمسون في أم الكتاب ، وهي خمس عليك فرجع إلى موسى فقال : كيف فعلت ؟ فقال : خفف عنا أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها قال موسى : قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه ، ارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا موسى قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه قال : فاهبط بسم الله قال : واستيقظ وهو في مسجد الحرام .

مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله " .
وعبد العزيز بن عبد الله بن يحيى الأويسي المدني ، وسليمان هو ابن بلال ، وشريك بن عبد الله بن أبي نمر بفتح النون وكسر الميم المدني التابعي ، وهو أكبر من شريك بن عبد الله النخعي القاضي ، وقال النووي : جاء في رواية شريك أوهام أنكرها العلماء من جملتها أنه قال ذلك قبل أن يوحى إليه ، وهو غلط لم يوافق عليه ، وأيضا العلماء أجمعوا على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء فكيف يكون قبل الوحي . قوله : " ابن مالك " هو أنس بن مالك كذا وقع في كثير من النسخ ، وصرح في بعضها أنس بن مالك رضي الله عنه ، ثم إن البخاري أورد حديث الإسراء من رواية الزهري ، عن أنس ، عن أبي ذر في أوائل كتاب الصلاة ، وأورده من رواية قتادة ، عن أنس ، عن مالك بن صعصعة في بدء الخلق ، وفي أوائل البعثة قبيل الهجرة ، وفي صفة النبي صلى الله عليه وسلم ، عن إسماعيل بن أبي أويس ، وأخرجه مسلم في الإيمان ، عن هارون بن سعيد الأيلي .
قوله : " إنه جاءه " ، وفي رواية الكشميهني " إذ جاءه " . قوله : " ثلاثة نفر " أي : من الملائكة . قوله : " قبل أن يوحى إليه " أنكرها الخطابي وابن حزم ، وعبد الحق والقاضي عياض والنووي ، وقد مضى الآن ما قاله النووي ، وقد صرح هؤلاء المذكورون بأن شريكا تفرد بذلك قيل : فيه نظر؛ لأنه وافقه كثير بن خنيس بضم الخاء المعجمة وفتح النون عن أنس ، كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في المغازي من طريقه . قوله : " وهو نائم في المسجد الحرام " قد أكد هذا بقوله في آخر الحديث : " فاستيقظ وهو في المسجد الحرام " . قوله : " أيهم هو " أي : محمد ، وكان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان آخران قيل : إنهما حمزة بن عبد المطلب عمه وجعفر بن أبي طالب ابن عمه .
قوله : " فقال أحدهم " أي : أحد النفر الثلاثة . قوله : " أوسطهم هو خيرهم " أي : مطلوبك هو خير هؤلاء . قوله : " خذوا خيرهم " لأجل أن يعرج به إلى السماء . قوله : " وكانت " أي : كانت هذه القصة في تلك الليلة لم يقع شيء آخر فيها . قوله : " فلم يرهم " أي : بعد ذلك حتى أتوه ليلة أخرى لم يعين المدة التي بين المجيئين ، فيحمل على أن المجيء الثاني كان بدء الوحي إليه ، وحينئذ وقع الإسراء والمعراج ، وإذا كان بين المجيئين مدة فلا فرق بين أن تكون تلك المدة ليلة واحدة أو ليالي كثيرة أو عدة سنين ، وبهذا يرتفع الإشكال عن رواية شريك ، ويحصل الوفاق أن الإسراء كان في اليقظة بعد البعثة وقبل الهجرة ، فيسقط تشنيع الخطابي وابن حزم وغيرهما بأن شريكا خالف الإجماع في دعواه أن المعراج كان قبل البعثة . وقال الكرماني : ثبت في الروايات الأخر أن الإسراء كان في اليقظة ، وأجاب بقوله : إن قلنا بتعدده فظاهر ، وإن قلنا باتحاده فيمكن أن يقال كان في أول الأمر في اليقظة وآخره في النوم ، وليس فيه ما يدل على كونه نائما في القصة كلها .
قوله : " حتى احتملوه " أي : احتمل هؤلاء النفر الثلاثة النبي صلى الله عليه وسلم فوضعوه عند بئر زمزم ، فإن قلت : في حديث أبي ذر فرج سقف بيتي ، وفي حديث مالك بن صعصعة أنه كان في الحطيم قلت : إذا تعدد الإسراء فلا إشكال ، وإذا اتحد فالإشكال باق على حاله .
قوله : " إلى لبته " بفتح اللام وتشديد الباء الموحدة هو موضع القلادة من الصدر ، وقال الداودي : إلى لبته إلى عانته؛ لأن اللبة العانة وقال ابن التين : وهو الأشبه ، وفيه الرد على من أنكر شق الصدر عند الإسراء ، وزعم أن ذلك إنما وقع وهو صغير ، وثبت ذلك في غير رواية شريك في الصحيحين من حديث أبي ذر ، ووقع الشق أيضا عند البعثة كما أخرجه أبو داود [25/172] الطيالسي في مسنده ، وأبو نعيم ، والبيهقي في دلائل النبوة قوله : " ثم أتي بطست " بفتح الطاء وكسرها ، ويقال بالإدغام : طس وهو الإناء المعروف . قوله : " فيه تور " بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الواو وبالراء ، وهو إناء يشرب فيه . قوله : " محشوا " كذا وقع بالنصب على الحال ، وقال بعضهم : حال من الضمير في الجار والمجرور ، والتقدير بطست كائن من ذهب ، فنقل الضمير من اسم الفاعل إلى الجار والمجرور انتهى . قلت : هذا كلام من لم يشم شيئا من العربية ، والذي يتصدى لشرح مثل هذا الكتاب يتكلم في ألفاظ الأحاديث النبوية مثل هذا الكلام أفلا يعلم أنه يعرض ما يقوله على ذوي الألباب والبصائر ، والذي يقال : إن محشوا حال من التور الموصوف بقوله : " من ذهب " . قوله : " إيمانا " قال بعضهم : منصوب على التمييز وهذا أيضا تصرف واه ، وإنما هو مفعول . قوله : " محشوا " لأن اسم المفعول يعمل عمل فعله . وقوله : " وحكمة " عطف عليه قبل الإيمان ، والحكمة معنيان فكيف يحشى بهما ؟ وأجيب بأن معناه أن الطست كان فيه شيء يحصل به كما لهما ، فالمراد سببهما مجازا . قوله : " فحشا به صدره " حشا على بناء المعروف ، وفيه ضمير يرجع إلى جبريل عليه السلام ، وصدره منصوب على المفعولية ، وهذا هكذا رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره حشي على بناء المجهول ، وصدره مرفوع به . قوله : " ولغاديده " بفتح اللام وبالغين المعجمة وبالدالين المهملتين جمع لغد ، وقال الجوهري : اللغاديد هي اللحمات يعني التي بين الحنك وصفحة العنق ، واحدها لغدود أو لغديد ، ويقال له أيضا : لغد وجمعه ألغاد ، وقد فسرها في الحديث بقوله : " يعني عروق حلقه " .
قوله : " ثم عرج به " بفتح الراء أي : صعد به قوله : " إلى السماء الدنيا " فإن قلت : كيف كان مجيئه من عند بئر زمزم بعد الشق والإطباق إلى سماء الدنيا ؟ قلت : إن كانت القصة متعددة فلا إشكال ، وإن كانت متحدة ففي الكلام حذف كثير تقديره ، ثم أركبه البراق إلى بيت المقدس ، ثم أتى بالمعراج . قوله : " ما يريد الله به في الأرض " كذا في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره بما يريد أي : على لسان من شاء كجبريل عليه السلام . قوله : " يطردان " أي : يجريان .
فإن قلت : هذا يخالف حديث مالك بن صعصعة ، فإن فيه بعد ذكر سدرة المنتهى " فإذا في أصلها أربعة أنهار " . قلت : أصل نبعهما من تحت سدرة المنتهى ومقرهما في السماء الدنيا ، ومنها ينزلان إلى الأرض فالنيل نهر مصر والفرات بالتاء الممدودة في الخط وصلا ووقفا نهر عليه ريف العراق . قوله : " عنصرهما " أي : عنصر النيل والفرات ، وقال الكرماني : بضم الصاد وفتحها وهو مرفوع بالبدلية . قوله : " أذفر " بالذال المعجمة وبالفاء والراء مسك جيد إلى الغاية شديد ذكاء الريح ، فإن قلت : الكوثر في الجنة والجنة في السماء السابعة لما روى أحمد ، عن حميد الطويل ، عن أنس رفعه " دخلت الجنة ، فإذا فيها نهر حافتاه خيام اللؤلؤ ، فضربت بيدي مجرى مائه ، فإذا مسك أذفر فقال جبريل عليه السلام : هذا الكوثر الذي أعطاك الله تعالى ، قلت : أجيب بأنه يمكن أن يكون في هذا الموضع شيء محذوف تقديره : ثم مضى به من السماء الدنيا إلى السماء السابعة وفيه تأمل . قوله : " إبراهيم في السادسة وموسى في السابعة " قيل : مر في آخر كتاب الفضائل أن موسى كان في السادسة وإبراهيم في السابعة ، وأجيب بأن النووي قال : إن كان الإسراء مرتين فلا إشكال ، وإن كان مرة واحدة فلعله وجده في السادسة ، ثم ارتقى هو أيضا إلى السابعة .
قوله : " بتفضيل كلام الله " أي : بسبب أن له فضلا بكلام الله إياه ، وهذا هكذا في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره " بفضل كلام الله " . قوله : " فقال موسى : رب لم أظن أن يرفع علي أحد " كذا هو في رواية الكشميهني أن يرفع على صيغة المجهول ، وأحد بالرفع به ، وفي رواية غيره أن ترفع علي صيغة المعلوم خطاب الله عز وجل ، وأحدا مفعول ترفع ، وقال ابن بطال : فهم موسى عليه السلام من اختصاصه بكلام الله عز وجل له في الدنيا دون غيره من البشر بقوله تعالى : إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي أن المراد بالناس هنا البشر كلهم ، فلما فضل الله محمدا عليه بما أعطاه من المقام المحمود وغيره ارتفع على موسى وغيره بذلك . قوله : " ثم علا به " أي : ثم علا جبريل بالنبي عليهما الصلاة والسلام بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى أي : منتهى علم الملائكة ، أو منتهى صعودهم أو أمر الله تعالى أو أعمال العباد . قوله : " ودنا الجبار " قيل : مجاز عن قربه المعنوي وظهور منزلته عند الله . " وتدلى " أي : طلب زيادة القرب ، وقاب قوسين هو منه صلى الله تعالى عليه وسلم عبارة عن لطف المحل وإيضاح المعرفة ، ومن الله إجابته ورفيع درجته إليه ، والقاب ما بين [25/173] مقبض القوس والسية بكسر السين وخفة التحتانية ، وهي ما عطف من طرفيها ، ولكل قوس قابان ، وقيل : أصله قابي قوس ، وقال الخطابي : ليس في هذا الكتاب حديث أبشع مذاقا منه لقوله : " ودنا الجبار فتدلى " فإن الدنو يوجب تحديد المسافة ، والتدلي يوجب التشبيه بالمخلوق الذي تعلق من فوق إلى أسفل ، ولقوله : " وهو مكانه " لكن إذا اعتبر الناظر لا يشكل عليه ، وإن كان في الرؤيا فبعضها مثل ضرب ليتأول على الوجه الذي يجب أن يصرف إليه معنى التعبير في مثله ، ثم إن القصة إنما حكاها بحليتها أنس بعبارته من تلقاء نفسه لم يعزها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم إن شريكا كثير التفرد بمناكير لا يتابعه عليها سائر الرواة ، ثم إنهم أولوا التدلي فقيل : تدلى جبريل عليه السلام بعد الارتفاع حتى رآه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم متدليا كما رآه مرتفعا ، وقيل : تدلى محمد شاكرا لربه على كرامته ، ولم يثبت في شيء صريحا أن التدلي مضاف إلى الله تعالى ، ثم أولوا مكانه بمكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . قوله : " ماذا عهد إليك ربك " أي : أمرك أو أوصاك قال : عهد إلي خمسين صلاة فيه حذف تقديره عهد إلي أن أصلي وآمر أمتي أن يصلوا خمسين صلاة . قوله : " أن نعم " هذا هكذا رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره أي نعم ، وكلمة أن بالفتح وسكون النون مفسرة فهي في المعنى هنا مثل أي . قوله : " إنه لا يبدل القول لدي " قيل : ما تقول في النسخ فإنه تبديل القول ، وأجيب بأنه ليس هذا تبديلا بل هو بيان انتهاء الحكم . قوله : " في أم الكتاب " هو اللوح المحفوظ . قوله : " قد والله راودت " قيل : قد حرف لازم دخوله على الفعل ، وأجيب بأنه داخل عليه ، والقسم مقحم بينهما لتأكيده ، وجواب القسم محذوف أي : والله قد راودت . قوله : " راودت بني إسرائيل " من المراودة وهي المراجعة . قوله : " أبدانا " والفرق بين البدن والجسم أن البدن من الجسد ما دون الرأس والأطراف .
قوله : " كل ذلك يلتفت " وفي رواية الكشميهني يلتفت . قوله : " فرفعه " ، وفي رواية المستملي يرفعه بالياء آخر الحروف والأول أولى . قوله : " عند الخامسة " أي : عند المرة الخامسة . قال الكرماني : إذا خفف كل مرة عشر ففي المرة الأخيرة خمس تكون هذه الدفعة سادسة ، ثم أجاب بقوله : ليس فيه هذا الحصر ، فربما خفف بمرة واحدة خمسة عشرا ، وأراد به عند تمام الخامسة ، وقيل : هذا التنصيص على الخامسة على أنها الأخيرة يخالف رواية ثابت ، عن أنس أنه وضع عنه في كل مرة خمسا ، وأن المراجعة كانت تسع مرات قلت : كأن الكرماني لم يقف على رواية ثابت فلذلك أغفلها . قوله : " ارجع إلى ربك فليخفف عنك " هذا أيضا بعد قوله : " إنه لا يبدل القول لدي " قال الداودي : لا يثبت هذا التواطؤ الروايات على خلافه ، وما كان موسى عليه السلام ليأمره بالرجوع بعد أن يقول الله تعالى له ذلك . قوله : " قال فاهبط بسم الله " ظاهر السياق يشعر بأن القائل بقوله : اهبط بالخطاب للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه موسى عليه الصلاة والسلام وليس كذلك ، بل القائل بذلك هو جبريل عليه السلام ، وبذلك جزم الداودي . قوله : " واستيقظ " أي : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والحال أنه في المسجد الحرام . قال القرطبي : يحتمل أن يكون استيقاظا من نومة نامها بعد الإسراء؛ لأن إسراءه لم يكن طول ليلته ، وإنما كان بعضها ، ويحتمل أن يكون المعنى أفقت مما كنت فيه مما خامر باطنه من مشاهدة الملأ الأعلى لقوله تعالى : لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى فلم يرجع إلى حال بشريته إلا وهو بالمسجد الحرام ، وأما قوله في أوله : " بينا أنا نائم " فمراده في أول القصة ، وذلك أنه كان قد ابتدأ نومه فأتاه الملك فأيقظه . وفي قوله في الرواية الأخرى " بينا أنا بين النائم واليقظان أتاني الملك " إشارة إلى أنه لم يكن استحكم في نومه ، فإن قلت : ما وجه تخصيص موسى عليه السلام بالقضية المذكورة دون غيره ممن لقيه النبي صلى الله عليه وسلم من الأنبياء عليهم السلام قلت : إما لأنه في السابعة فهو أول من وصل إليه ، أو لأن أمته أكثر من أمة غيره وإيذاءهم له أكثر من غيره ، أو لأن دينه فيه الأحكام الكثيرة والتشريعات العظيمة الوافرة إذ الإنجيل مثلا أكثر مواعظ ، فإن قلت : في حديث مالك بن صعصعة رضي الله تعالى عنه أنه لقيه في الصعود في السادسة قلت : يحتمل أن موسى عليه السلام صعد إلى السابعة من السادسة ، فلقيه النبي - صلى الله عليه وسلم - في الهبوط في السابعة .