باب قول الله تعالى : وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ

أي : هذا باب في قول الله عز وجل : " وَمَا كُنْتُمْ " الآية . وقد ساق الآية كلها في رواية كريمة ، وفي رواية غيره إلى سمعكم ، ثم قال الآية ، قال صاحب التوضيح : غرض البخاري من الباب إثبات السمع لله تعالى ، وإذ ثبت أنه سميع وجب كونه سامعا يسمع كما أنه لما ثبت أنه عالم وجب كونه عالما لم يعلم خلافا لمن أنكر صفات الله من المعتزلة ، وقالوا : معنى وصفه بأنه سامع للمسموعات وصفه بأنه عالم بالمعلومات ولا سمع له ولا هو سامع حقيقة ، وهذا رد لظواهر كتاب الله ولسنن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم . قوله : " وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ " أي : تخافون ، وقيل : تخشون ، وسبب نزول هذه الآية يبين في حديث الباب .
147 - حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا منصور ، عن مجاهد ، عن أبي معمر ، عن عبد الله رضي الله عنه قال : اجتمع عند البيت ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي ، كثيرة شحم بطونهم قليلة فقه قلوبهم فقال أحدهم : أترون أن الله يسمع ما نقول قال الآخر : يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا ، وقال الآخر : إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا ، فأنزل الله تعالى وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ الآية .

مطابقته للترجمة ظاهرة . والحميدي هو عبد الله بن الزبير ، وسفيان هو ابن عيينة ، ومنصور بن المعتمر ، ومجاهد بن جبر بفتح الجيم المفسر المكي يحكي أنه رأى هاروت وماروت ، وأبو معمر بفتح الميمين عبد الله بن سخبرة الأزدي وعبد الله بن مسعود .
والحديث قد مضى مرتين في سورة حم السجدة ، أحدهما عن الحميدي عبد الله بن الزبير إلى آخره مثل ما أخرجه هنا .
قوله : " كثيرة شحم بطونهم " إشارة إلى وصفهم فقوله : " بطونهم " مبتدأ و " كثيرة شحم " خبره ، والكثيرة مضافة إلى الشحم هذا إذا كان بطونهم مرفوعا ، وإذا كان مجرورا بالإضافة يكون الشحم الذي هو مضاف مرفوعا بالابتداء وكثيرة مقدما خبره ، واكتسب الشحم التأنيث من المضاف إليه إن كانت الكثيرة غير مضافة ، وكذلك الكلام في " قليلة فقه قلوبهم " . قوله : " أترون " بالضم أي : أتظنون ، ووجه الملازمة فيما قال : إنه كان يسمع هو أن نسبة جميع المسموعات إلى الله تعالى على السواء .
وفي الحديث من الفقه إثبات القياس الصحيح وإبطال الفاسد ، فالذي قال : يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا قد أخطأ في قياسه؛ لأنه شبه الله تعالى بخلقه الذين يسمعون الجهر ولا يسمعون السر ، والذي قال : إن كان يسمع إن جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا أصاب في قياسه حيث لم [25/179] يشبه الله بالمخلوقين ، ونزهه عن مماثلتهم ، فإن قلت : الذي أصاب في قياسه كيف وصف بقلة الفقه قلت : لأنه لم يعتقد حقيقة ما قال ولم يقطع به .