باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار ، ورجل يقول : لو أوتيت مثل ما أوتي هذا فعلت كما يفعل ، فبين الله أن قيامه بالكتاب هو فعله ، [25/183] وقال : وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ وقال جل ذكره : وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

أي : هذا باب في ذكر قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رجل إلى آخره ، وغرضه من هذا الباب أن قول العباد وفعلهم منسوبان إليهم وهو كالتعميم بعد التخصيص بالنسبة إلى الباب المتقدم عليه ، قيل : إن الترجمة مخرومة إذ ذكر من صاحب القرآن حال المحسود فقط ، ومن صاحب المال حال الحاسد فقط ، وهو خرم غريب ملبس . قال الكرماني : نعم مخروم ولكن ليس غريبا ولا ملبسا؛ إذ المتروك هو نصف الحديث بالكلية حاسدا ومحسودا ، وهو حال ذي المال ، والمذكور هو بيان صاحب القرآن حاسدا ومحسودا؛ إذ المراد من رجل ثانيا هو الحاسد ، ومن مثل ما أوتي هو القرآن لا المال . ومر الحديث أولا في كتاب العلم وآخرا في كتاب التمني .
قوله : " آناء الليل " أي : ساعات الليل ، وقال الأخفش : واحدها أني مثل معي ، وقيل : أنو ، يقال مضى أنيان من الليل وأنوان ، وقال أبو عبيدة : واحدها أنى مثل نحى والجمع آناء . قوله : " فبين الله " ليس في كثير من النسخ إلا قوله : " فبين " فقط بدون ذكر فاعله ، ولهذا قال الكرماني : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن قيام الرجل بالقرآن فعله حيث أسند القيام إليه ، وفي رواية الكشميهني : إن قراءة الكتاب فعله . قوله : " أَلْسِنَتِكُمْ " أي : لغاتكم؛ إذ لا اختلاف في العضو المخصوص بحيث يصير من الآيات . قوله : " وَافْعَلُوا الْخَيْرَ " هذا عام في فعل الخير يتناول قراءة القرآن والذكر والدعاء .
154 - حدثنا قتيبة ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تحاسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار ، فهو يقول : لو أوتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت كما يفعل ، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه في حقه فيقول : لو أوتيت مثل ما أوتي عملت فيه مثل ما يعمل .

مطابقته للترجمة ظاهرة . وجرير بن عبد الحميد ، والأعمش سليمان ، وأبو صالح ذكوان الزيات . والحديث مضى في العلم كما ذكرنا الآن .
قوله : " لا تحاسد إلا في اثنتين " ويروى إلا في اثنين بالتذكير ، قيل : الخصلتان من باب الغبطة ، وأجيب بأن مراده لا تحاسد إلا فيهما ، وليس ما فيهما حسد فلا حسد ، كقوله : لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى أو أطلق الحسد وأراد الغبطة . قوله : " رجل " أي : خصلة رجل ليصح بيانا لاثنتين . قوله : " فهو يقول " أي : الحاسد ، وبقية الكلام مرت في العلم .