‎( 1 ) كِتَابُ الإِْيمَانِ
( 1 ) بَابُ
مَعَانِي الإِْيمَانِ وَالإِْسْلاَمِ وَالإِْحْسَانِ شَرْعًا
8 - [ 7] عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ ، قَالَ : كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْحِمْيَرِيُّ - حَاجَّيْنِ أو مُعْتَمِرَيْنِ - فَقُلْنَا : لَو لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلاءِ فِي الْقَدَرِ! فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلاً الْمَسْجِدَ ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي ، أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ ، وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ ، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلامَ إِلَيَّ ، فَقُلْتُ : أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ ، وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ - وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ : وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لاَ قَدَرَ ، وَأَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ . فقَالَ : إِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي ، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ! لَو أَنَّ لأَِحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ ، مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ . ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، قَالَ : بَيْنَما نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يَوْمٍ ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ ، لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ ، وَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَخْبِرْنِي عَنِ الإِْسْلامِ . فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : الإِْسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً . قَالَ : صَدَقْتَ . قَالَ : فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ ! قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِْيمَانِ ؟ قَالَ : أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ . قَالَ : صَدَقْتَ . قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِْحْسَانِ ؟ قَالَ : أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ .
قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ ؟ قَالَ : مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ . قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَاراتِهَا ؟ قَالَ : أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا ، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ . قَالَ : ثُمَّ انْطَلَقَ ، فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ، ثُمَّ قَالَ : يَا عُمَرُ ، أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ ؟ قُلْتُ : اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ ؛ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ


[1/131] ( 1 )
كتَابُ الإِْيمَانِ
( 1 ) ومِنْ بَابِ مَعَانِي الإِْيمَانِ وَالإِْسْلاَمِ وَالإِْحْسَانِ شَرْعًا
مقصودُ هذا الباب : إيضاحُ معاني هذه الأسماءِ في الشَّرْعِ دون اللغة ؛ فإنَّ الشرعَ قد تصرَّفَ فيها على ما يأتي بيانه .
و ( قولُ يحيى بنِ يَعْمَر : " كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ " ) معبدٌ هذا : هو معبدُ بنُ عبد الله بن محمَّدٍ ، وقيل : معبدُ بنُ خالد ، والصحيحُ : أنْ لا يُنْسَب . وهو بصريٌّ ، روَى عن عمرَ مرسلاً ، وعن عِمْرَانَ ، وروى عنه : قتادةُ ، ومالكُ بن دينارٍ ، وعَوْفٌ الأعرابيُّ .
قال أبو حاتم : وكان صدوقًا في الحديث ، ورأسًا في القَدَر ، قَدِمَ المدينة فأفسَدَ فيها ما شاء الله ، وقال يحيى بن معين : هو ثقة .
[1/132] القَدَر : مصدرُ قَدَرْتُ الشيءَ - خفيفة الدال ، أقْدِرُهُ ، وأقْدُرُه قَدْرًا وقُدَرًا : إذا أحَطْتَ بمقداره ، ويقال فيه : قدَّرْتُ أُقَدِّرُ تقديرًا ، مشدَّدَ الدالِ للتضعيف ؛ فإذا قلنا : إنَّ الله تعالى قدَّرَ الأشياءَ ، فمعناه : أنَّهُ تعالى علِمَ مقاديرها وأحوالَهَا وأزمانَهَا قبل إيجادها ، ثُمَّ أوجَدَ منها ما سبَقَ في علمه أنَّهُ يُوجِدُهُ على نحو ما سبَقَ في علمه ؛ فلا مُحْدَثَ في العالمِ العُلْويِّ والسُّفلْيِّ إلاَّ وهو صادرٌ عن علمِه تعالى وقدرتِه وإرادتِه .
هذا هو المعلومُ من دِينِ السلف الماضين ، والذي دلَّت عليه البراهين . وقد حكى أربابُ المقالاتِ عن طوائفَ من القدريَّةِ إنكارَ كونِ البارئ تعالى عالمًا بشيءٍ من أعمال العباد قبل وقوعها منهم ، وإنَّمَا يَعْلَمُهَا بعد كونها ، قالوا : لأنَّه لا فائدةَ لِعِلْمِهِ بها قبل إيجادها ، وهو عَبَثٌ ، وهو على الله محال .
قال الشيخ - رحمه الله تعالى - : وقد رُويَ عن مالكٍ أنه فسَّرَ مذهبَ القَدَريَّة بنحو ذلك ، وهذا المذهَبُ هو الذي وقَعَ لأهل البصرة ، وهو الذي أنكَرَهُ ابنُ عمر .
ولا شكَّ في تكفير من يذهبُ إلى ذلك ، فإنَّه جَحْدُ معلومٍ من الشرع ضرورةً ؛ ولذلك تبرَّأ منهم ابنُ عمر ، وأفتى بأنَّهم لا تُقْبَلُ منهم أعمالُهُمْ ولا نفقاتُهُمْ ، وأنّهم كمَا قال الله تعالى فيهم : وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ
وهذا المذهب هو مذهب طائفةٍ منهم تسمَّى السكبيّة ، وقد تُرِكَ اليومَ ، فلا يُعرف مَن يُنسب إليه من المتأخرين مِن أهل البدع المشهورين .
والقدرية اليومَ : مُطْبِقون على أنَّ الله تعالى عالمٌ بأفعالِ العباد قبلَ وقوعها ؛ [1/133] ومعنى القدر عند القائلين به اليوم : أنَّ أفعالَ العباد مقدورةٌ لهم ، وواقعةٌ منهم بِقُدْرَتِهم ومشيئتِهم ، على جهة الاستقلال ، وأنّها ليست مقدورةً لله تعالى ولا مخلوقةً له ، وهو مذهبٌ مبتدَعٌ باطلٌ بالأدلّةِ العقليَّةِ والسمعيَّةِ المذكورةِ في كتب أئمَّتنا المتكلِّمين .
و ( قوله : " فانطلقتُ أنا وحُمَيْدُ بْنُ عبد الرحمن الحميري حاجَّيْنِ أو معتمرَيْنِ " ) كذا الروايةُ الصحيحة بـ " أو " التي للشَّكِّ ؛ فكأنَّه عرَضَ له شكٌّ في حالهما ، هل كانا حاجَّيْنِ أو كانا معتمرَيْنِ ؟ وأجيب : بأَنَّهُ وقَعَ في بعض النسخ : حاجَّيْنِ ومعتمرَيْنِ بالواو الجامعةِ ؛ على أنَّهما كانا قارنيْنِ ، وفيه بُعْدٌ ، والصحيحُ الأوَّل ، والله أعلم .
و ( قوله : " لو لَقِينَا أحدًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ) " لو " هنا بمعنى ليت ؛ وهي نحو قولِهِ تعالى : رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ونحو قولِ امرئ القيس :
. . . . . . . . . .
. . . . لو يشرونَ مَقْتَلِي
[1/134] ويأتي لامتناعِ الامتناعِ وهو أصلُهَا ، وبمعنى : إنْ ؛ كقوله تعالى : وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وللتقليل ؛ كقوله عليه الصلاة والسلام : " الْتَمِسْ ولو خاتَمًا مِنْ حديدٍ " .
و ( قوله : " فاكتنفتُهُ أنا وصاحبي " ) أي : صرنا بِكَنَفَيْه . والكَنَفُ والكَنِيف : الساتر ؛ ومنه قول العرب : أنا في كنَفِكَ ، أي : في سترك .
وإنَّمَا جاءاه كذلك تأدُّبًا واحترامًا ؛ إذْ لو قاما أمامه ، لمنعاه المشي ، ولو صارا له من جانبٍ واحد ، لكلَّفاه الميل إليهما ، وكانتْ هذه الهيئةُ أحسنَ ما أمكنهما .
و ( قوله : " فَظَنَنْتُ أنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الكَلاَمَ إِلَيَّ " ) هذا منه اعتذارٌ عن توهُّمِ اعتراضٍ يُنْسَبُ إليه فيه قلَّةُ المبالاةِ بصاحبه ، واستِئْثَارُهُ عليه بالمسابقة إلى الكلام ؛ فبيَّنَ وجهَ اعتذارِهِ عن ذلك ؛ وذلك أنَّهُ عَلِمَ من صاحبه أنَّهُ يكلُ الكلامَ إليه : فإمَّا لكونه أحسنَ منه سؤالاً وأبلغَ بيانًا ، وإمَّا لحياءٍ يَلْحَقُ صاحبَهُ يمنعه من السؤال ، وإمَّا إيثارًا له ، والله أعلم .
و ( قوله : " يا أبا عبدِ الرحمن : فيه دليلٌ على ما كانوا عليه من الاقتصاد في كلماتهم ، وترْكِ الإطراء والمدح وإنْ كان حقًّا ، فقد كان ابنُ عمر مِنْ أعلمِ الناس وأفضلهم ، وابنَ أميرِ المؤمنين عمر بن الخَطَّاب ، ومع ذلك فلم يمدحوه بشيء مِنْ ذلك مع جلالتِهِ ولا أَطْرَوْهُ ؛ محاسبةً منهم لأنفسهم على ألفاظهم ، واكتِفاءً بما [1/135] يُعْلَمُ من فضائل الرجل عن القول والمدح الذي يُخاف منه الفتنة على المادح والممدوح .
و ( قوله : " إنَّهُ قد ظهر قِبَلَنَا ناسٌ " ) أي : فشا مذهبُهُمْ وانتشر ، وهو مِنَ الظهورِ الذي يُضَادُّ الخفاء .
و ( قوله : " يقرؤون القرآنَ ، ويتقَفَّرُونَ العِلْمَ " ) ؛ وهذه اللفظةَ بتقديمِ القافِ وتأخير الفاء ، أي : يَتَّبِعون ويجمعون ، يقال : اقْتَفَر أثرَهُ ، أي : تَتَبَّعه . ورواها أبو العلاء بن ماهان بتقديم الفاء وتأخير القاف ، أي : إنَّهُم يُخْرِجون غامضَه ، ويبحثون عن أسراره ، ومنه قولُ عمر بن الخَطَّاب - وذكر امرَأَ القَيْس - فقال : افتقَرَ عن معانٍ عُورٍ أصَحَّ بَصَرٍ ، أي : فتح عن معانٍ غامضةٍ مبصرًا .
وروي - في غير كتاب مسلم - : يَتَقَفَّوْنَ بواو مكان الراء ، من قَفَوْتُ أثرَهُ ، أي : تتبَّعْتُهُ ، وهو من القَفَاء ، وكلُّها واضحُ .
و ( قوله : " وذكَرَ من شأنهم " ) أي : عظمِ أمرهم في الذكاء ، والجِدِّ في طلب العلم ، وإنما ذَكَرَ له ذلك من أوصافهم ؛ تنبيهًا له على الاعتناءِ بمقالتهم والبحث عنها ؛ ليوضِّحَ أمرها ؛ فإنّ كلامَهم قد وقع من القلوب بالموقع الذي لا يزيله إلا إيضاح بالغ ، وبرهانٌ واضح ، ولمَّا فَهِمَ ابن عمر ذلك أفتى بإبطالِ مذهبهم وفَسَادِه ، وحكَمَ بِكُفْرهم ، وتبرَّأ منهم ، واستدلَّ على ذلك بالدليل القاطع عنده .
و ( قوله : " إنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ " ) أي : مستَأْنَفٌ ، ومعناه عندهم : أنَّهُ لم تسْبِقْ به سابقةُ علمِ الله ولا مشيئتِهِ ، وإنما أفعالُ الإنسان موجودةٌ بعلم الإنسان واختيارِهِ ؛ كما تقدَّم من مذهبهم .
وأَنْفُ كلِّ شيء : أوَّلُهُ ، ومنه : أنفُ الوجه ؛ لأنَّه أوَّلُ [1/136] الأعضاء في الشخوص ، وأَنْفُ السيل : أَوَّلُهُ ؛ كما قال امرؤ القيس :
قَدْ غَدَا يَحْمِلُنِي في أَنْفِهِ
لاَحِقُ الأيطْل مَحْبُوكٌ مُمَرّ
وروضٌ أنفٌ : لم يُرْعَ قَبْلُ ، وكذلك كأسٌ أُنُفٌ : لم يُشْرَبْ قبلُ ؛ ومنه قوله تعالى : مَاذَا قَالَ آنِفًا أي : هذه الساعةَ المستأنفةَ .
و ( قوله : " والذي يحلف به عبد الله بن عمر " ) هذه كنايةٌ عن الحلف باسم الله ؛ فإنَّه هو الذي كان يَحْلِفُ به غالبًا ، ولم يتلفَّظْ به ؛ إجلالاً لأسماء الله تعالى عن أن تُتَّخَذَ عُرْضَةً لكثرة الأيمان بها ، والله أعلم .
و ( قوله : " لو أنّ لأَِحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَه ما قَبِلَ الله منه حتى يؤمن بالقدر " ) هذا صريحٌ في أنَّه كفَّرَهُمْ بذلك القولِ المحكيِّ عنهم ؛ لأنَّهُ حكَمَ عليهم بما حكَمَ الله به على الكفَّارِ في الآية المتقدِّمة ، وقد قلنا : إنَّ تكفيرَ هذه الطائفة مقطوعٌ به ؛ لأنَّهم أنكروا معلومًا ضروريًّا من الشرع .
و ( قوله : " بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم " ) " بينا " هذه هي الظرفية ، زِيدَت عليها الألف ؛ لتكفَّها عن عملها الذي هو الخفض ، كما قد زيدَتْ عليها أيضًا " ما " لذلك ، وما بعدها مرفوعٌ بالابتداء في اللغة المشهورة . ومنهم مَنْ خَفَضَ ما بعد الألف على الأصل ؛ فقال :
[1/137]
بَيْنَا تَعَانُقِه الْكُمَاةُ وَرَوْغِهِ
يَوْمًا أُتِيحَ لَهُ جَرِيءٌ سَلْفَعُ
وروي بخفض تعانقِهِ ورفعه ؛ وعلى هذا فالألفُ والميم ليستا للكَفِّ ، لكن لتمكن النطق .
وقد ذهَبَ بعضُ النحويِّين إلى أنَّها للتأنيث في الوجهين ، وهي عنده فَعْلَى كـ : شَرْوَى .
و " عند " : من ظروف الأمكنة غير المتمكِّنة ، يقال لما مُلِكَ أو اختُصَّ به حاضرًا كان أو غائبًا ، ومثلها لدى ، إلاَّ أَنَّها تختصُّ بالحاضر ، وفي " لدى " لغاتٌ ثمانٍ مذكورةٌ في كتب النحو .
و ( قوله : " إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ " ) : " إذ " و " إذا " أصلهما ظرفان غير متمكِّنَيْنِ ، يضافان إلى الجمل ، إلاَّ أنَّ " إذْ " : لما مضى ، وتضاف للجملتَيْنِ الفعليَّةِ والاسميَّة . و " إذا " : لما يُسْتَقْبَلُ ، ولا تُضافُ إلاَّ إلى الفعليَّة ، وفيها معنى الشرط ، وليس ذلك في " إذ " ، إلاّ إذا دخلَتْ عليها " ما " ؛ كقولهم :
إِذْ ما أَتَيْتََ عَلَى الرَّسُولِِ فَقُلْ لَهُ
. . . . . . .
وقد يقعان للمفاجأة ، كما وقعَتْ " إذْ " هاهنا . وأمّا " إذا " للمفاجأة ، ففي قوله تعالى : فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ فـ " إذا " الأولى ظرفيَّةٌ ، والثانية مفاجِئَةٌ ، ونحوُهُ في القرآن كثيرٌ .
وفيه دليلٌ على استحبابِ تحسينِ الثيابِ والهيئة والنظافةِ عند الدخولِ على العلماءِ والفُضَلاءِ والملوك ؛ فإنَّ جبريل عليه السلام أتى معلِّمًا للناس بحالِهِ ومقاله .
و ( قوله : " لا يُرَى عليه أَثَرُ السَّفَرِ ، وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ " ) ؛ هكذا مشهورُ رواية هذا [1/138] اللفظ : " يُرَى " مبنيًّا لِمَا لم يُسَمَّ فاعلُهُ ، بالياء باثنتَيْنِ من تحتها ، " ولا يعرفه " بالياء أيضًا . وقد رواه أبو حازم العُذْرِيُّ : " لا نَرَى عليه أَثَرَ السَّفَرِ ولا نَعْرِفُهُ " بالنون فيهما ، مبنيًّا لفعل الجماعة ، وكلاهما واضح المعنى .
و ( قوله : " حتَّى جلَسَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فأسنَدَ ركبتَيْهِ إلى رُكْبَتَيْهِ ، ووضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ ، وقال : يا محمَّد " ) ؛ هكذا مشهورُ هذا الحديثِ في " الصحيحين " من حديث ابن عمر .
وقد روى النَّسائيُّ هذا الحديثَ من حديث أبي هريرة ، وأبي ذَرٍّ ، وزاد فيه زيادةً حسنةً ، فقالا : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَجْلِسُ بين ظَهرَانَيْ أصحابه فيجيءُ الغريبُ ، فلا يَدْرِي أهو هو حتَّى يَسْأَلَ ، فطلبنا لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم أن نجعَلَ له مجلسًا يَعْرِفُهُ الغريبُ إذا أتاه ، فَبَنَيْنَا له دُكَّانًا من طِينٍ يَجْلِسُ عليه ، إنَّا لجلوسٌ عنده ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في مجلسه ؛ إذْ أقبَلَ رجلٌ أحسَنُ الناسِ وجهًا ، وأطيَبُ الناسِ رِيحًا ، كأنَّ ثيابَهُ لم يَمَسَّهَا دَنَسٌ ، حتَّى سَلمَ من طَرَفِ السِّمَاطِ ، فقال : السَّلاَمُ عليكم يا محمَّدُ ، فرَدَّ عليه السلام ، قال : أَدْنُو يا محمَّدُ ؟ قال : ادْنُهُ ، فما زال يقول : أدنو ؟ " مرارًا " ، ويقول له : ادْنُ ، حتَّى وضَعَ يدَيْهِ على ركبتَيِ النبيِِّ - صلى الله عليه وسلم - . . . وذكر نحو حديث مسلم .
ففيه من الفقه : ابتداءُ الداخلِ بالسلام على جميع مَن دخل عليه ، وإقبالُهُ [1/139] على رأس القوم ؛ فإنه قال : السلامُ عليكم ، فعَمَّ ، ثم قال : يا محمَّد ، فخَصَّ .
وفيه : الاستئذانُ في القُرْبِ من الإمام مرارًا ، وإنْ كان الإمامُ في موضعٍ مأذونٍ في دخوله . وفيه : تركُ الاكتفاءِ بالاستئذان مرةً أو مرتَيْنِ على جهة التعظيم والاحترام .
وفيه : جوازُ اختصاصِ العالم بموضعٍ مرتفِعٍ من المسجد ، إذا دعت إلى ذلك ضرورةُ تعليمٍ أو غيرِهِ . وقد بيَّن فيه : أنَّ جبريل وضع يدَيْه على رُكْبَتَيْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فارتفع الاحتمال الذي في لفظ " كتاب مسلم " ؛ فإنَّه قال فيه : فوضع كَفَّيْهِ على فَخِذَيْهِ ، وهو محتمل ، وإنما فعل جبريلُ ذلك - والله أعلم - ؛ تنبيهًا على ما ينبغي للسائل من قوَّةِ النَّفْس عند السؤال ، وعدمِ المبالاة بما يقطع عليه خاطره ، وإنْ كان المسؤول مِمَّنْ يُحْتَرَمُ ويُهَاب ، وعلى ما ينبغي للمسؤولِ مِنَ التواضعِ والصَّفْحِ عن السائل ، وإنْ تعدَّى على ما ينبغي من الاحترام والأدب . ونداءُ جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم - كما يناديه الأعرابُ : يا محمَّد ، تعميةٌ على حاله .
الإسلام في اللغة هو : الاستسلامُ والانقيادُ ؛ ومنه قوله تعالى : قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا أي : اِنْقَدْنا ، وهو في الشرع : الانقيادُ بالأفعالِ الظاهرة الشرعيَّة ، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أنس عنه : " الإسلامُ علانيَةٌ ، والإيمانُ في القَلْب " ؛ ذكره ابن أبي شَيْبَةَ في مصنفه .
والإيمان لغةً : هو التصديقُ مطلقًا ، وفي الشرع : التصديقُ بالقواعد الشرعيَّة ؛ كما نبَّه عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ، في حديثِ أنسٍ هذا .
[1/140] وقد تنافس علماءُ الأصول في هذه الأسماء الشرعيَّة تنافسًا لا طائلَ له ، إذا حُقِّقَ الأمرُ فيه ؛ وذلك أنَّهم مُتَّفِقُونَ على أنَّها لا يستفادُ منها في الشرع زيادةٌ على أصل الوضع ، وهل ذلك المعنى يُصَيِّرُ تلك الأسماءَ موضوعةً كالوضع الابتدائيِّ مِنْ قِبَلِ الشرع ، أو هي مبقاةٌ على الوضعِ اللغويِّ ، والشرعُ إنما تصرَّفَ في شروطها وأحكامها ، هنا تنافسهُمْ في الأمر قريب .
والحاصل : أنَّ الشرعَ تصرَّف في حال هذه الأسماء التي في أصلِ وضعها ، فخصّص عامًّا ، كالحال في الإسلام والإيمان ؛ فإنّهما بحكم الوضع يَعُمَّانِ كلَّ انقياد ، وكلَّ تصديق ، لكنْ قَصَرَها الشرعُ على تصديقٍ مخصوص وانقيادٍ مخصوص ؛ وكذلك فعلَتِ العربُ في لغتها في الأسماء العُرْفيَّة ، كالدابَّةِ : فإنَّها في الأصل لكلِّ ما يَدِبُّ ، ثمَّ عُرْفُهُم خصَّصها ببعض ما يَدِبُّ ؛ فالأسماءُ الشرعيَّةُ كالأسماء العرفيَّة في هذا التصرُّف ، والله أعلم .
وقد استفدنا من هذا البحث : أنّ الإيمانَ والإسلامَ حقيقتان متباينتان لغةً وشرعًا ؛ كما دلَّ عليه حديثُ جبريلَ هذا وغيرُهُ ؛ وهذا هو الأصلُ في الأسماء المختلفة - أعني : أنْ يَدُلَّ كُلُّ واحد منها على خلافِ ما يَدُلُّ عليه الآخر - غير أنَّهُ قد توسَّعَ الشرعُ فيهما : فأطلَقَ اسمَ الإيمانِ على حقيقة الإسلام ؛ كما في حديث وَفْدِ عبد القَيْسِ الآتي بعد هذا ، وكقوله : " الإيمانُ بِضْعٌ وسبعون بابًا ، أدناها إماطة الأذى عن الطريق ، وأرفعها قولُ : لا إله إلا الله " . وقد أطْلَقَ الإسلامَ مريدًا به مسمَّى الإسلامِ والإيمان ، بمعنى التداخُلِ ، كقوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ .
[1/141] وقد أطلَقَ الإيمانَ كذلك أيضًا ؛ كما رُوِيَ من حديثِ عليٍّ مرفوعًا : " الإيمَانُ اعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ ، وإقرارٌ باللِّسَان ، وعَمَلٌ بالأَرْكَان " .
وهذه الإطلاقاتُ الثلاثُ من باب التجوُّز والتوسُّع على عادة العرب في ذلك ، وهذا إذا حُقِّقَ يريحُ مِنْ كثيرٍ من الإشكال الناشئ مِنْ ذلك الاستعمال .
والصلاة لغةً : الدعاءُ ؛ ومنه قوله تعالى : وَصَلِّ عَلَيْهِمْ أي : ادْعُ ؛ قال الأعشى :
عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي
نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعا
وقيل : إنَّهَا مأخوذةٌ من الصَّلاَ ، والصلا : عِرْقٌ عند أصل الذَّنَب ، ومنه قيل للفرس الثاني في الحَلْبة : مُصَلٍّ ؛ لأنَّ رأسَهُ عند صَلاَ السابق ؛ قال الشاعر :
فَصَلَّى أَبُوهُ لَهُ سَابِقٌ
بِأَنْ قِيل : فَاتَ الْعِذَارُ الْعِذَارَا
والأوّل : أولى وأشهر . وهي في الشرع : أفعالٌ مخصوصةٌ ، بشروطٍ مخصوصة ، الدعاءُ جزءٌ منها .
لغةً : هي النماء والزيادة ، يقال : زكا الزرعُ والمالُ ، وسمِّي أخذُ جزءٍ من مالِ المسلم الحُرِّ زكاةً ؛ لأَنَّها إنما تؤخذُ من الأموال النامية ، أو لأنّها قد نَمَتْ وبلغتِ النصاب ، أو لأنّها تنمِّي الأموالَ بالبركة ، وحسناتِ مؤدِّيها بالتكثير .
[1/142] والصوم : هو الإمساكُ مطلقًا ؛ ومنه قوله تعالى : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ، أي : إمساكًا عن الكلام ؛ قال الشاعر :
خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ
تَحْتَ العَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا
أي : ممسكةٌ عن الحركة .
وهو في الشرع : إمساكٌ جميعِ أجزاءِ اليومِ عن أشياءَ مخصوصةٍ ، بشرطٍ مخصوص ، على ما يأتي .
والحج : هو القصدُ المتكرِّر في اللغة ؛ قال الشاعر :
وأَشْهَدُ مِنْ عوْفٍ حُلُولاً كَثِيرَةً
يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ المُزَعْفَرَا
وهو في الشرع : القصدُ إلى بيت الله المعظَّم ؛ لفعل عبادة مخصوصة .
والحَجُّ بالفتح : المصدر ، وبالكسر : الاسم ، وقُرئ بهما : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ .
والاستطاعة : هي القوةُ على الشيء ، والتمكُّنُ منه ؛ ومنه قوله تعالى : فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ، وسيأتي اختلاف العلماء فيها .
والإحسان : هو مصدر أحسَنَ يُحْسِنُ إحسانًا ، ويقال على معنيَيْنِ :
[1/143] أحدهما : متعدٍّ بنفسه ؛ كقولك : أحسنْتُ كذا وفي كذا ، إذا حَسَّنْتَهُ وكمَّلْتَهُ ، وهو منقولٌ بالهمزة من حَسُنَ الشيءُ .
وثانيهما : متعدٍّ بحرف جرٍّ ؛ كقولك : أحسنتُ إلى كذا ، أي : أوصَلْتُ إليه ما يَنْتَفعُ به ، وهو في هذا الحديث بالمعنى الأوَّل ، لا بالمعنى الثاني ؛ إذ حاصلُهُ راجعٌ إلى إتقانِ العبادات ، ومراعاة حقوق الله تعالى فيها ، ومراقبته ، واستحضارِ عظمتِهِ وجلاله حالةَ الشروع ، وحالةَ الاستمرار فيها .
وأربابُ القلوب في هذه المراقبة على حالين :
أحدهما : غالبٌ عليه مشاهدةُ الحقِّ ، فكأنَّهُ يراه ؛ ولعلَّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أشار إلى هذه الحالة بقوله : وجُعِلتْ قُرَّةُ عيني في عبادة ربي .
وثانيهما : لا ينتمي إلى هذه الحالة ، لكنْ يغلب عليه أنَّ الحقَّ سبحانه مطَّلِعٌ عليه ومشاهدٌ له ؛ وإليه الإشارةُ بقوله تعالى : الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ وبقولِهِ : وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ .
وهاتان الحالتان ثمرةُ معرفةِ الله تعالى وخشيتِهِ ؛ ولذلك فسَّر الإحسانَ في حديث أبي هريرة بقوله : " أَنْ تخشى اللهَ كأَنَّك تراه " ؛ فعبَّرَ عن المسبَّب باسم السَّبَب توسُّعًا ، والألفُ واللامُ اللذان في الإحسان المسؤول عنه للعهد ، وهو الذي قال الله تعالى فيه : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ، و : هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ، و : وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ .
[1/144] ولمَّا تكرَّر الإحسانُ في القرآن ، وترتَّب عليه هذا الثوابُ العظيم ، سألَ عنه جبريلُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، فأجابه ببيانه ؛ ليعمَلَ الناسُ عليه ، فيحصُلُ لهم هذا الحظُّ العظيم .
وسؤالُ جبريل عليه السلام عن الإيمانِ والإسلام بلفظ : " ما " كما في حديث أبي هريرة ، يدُلُّ على أنَّهُ إنما سأل عن حقيقتهما عنده ، لا عن شَرْحِ لفظهما في اللغة ، ولا عن حُكْمِهما ؛ لأنّ " ما " في أصلها إنما يُسْأَلُ بها عن الحقائق والماهيات . ولذلك أجابه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بقوله : " أن تُؤْمِنَ بالله " وبكذا وكذا ؛ فلو كان سائلاً عن شرح لفظهما في اللغة لَمَا كان هذا جوابًا له ؛ لأنَّ المذكورَ في الجواب هو المذكورُ في السؤال ، ولمّا كان الإيمانُ في اللغة معلومًا عندهما ، أعاد في الجوابِ لفظَهُ ، وبيَّنَ له متعلَّقاتِهِ ، وأنَّهُ قصره على تصديقٍ بأمورٍ مخصوصة .
والإيمانُ بالله : هو التصديقُ بوجوده تعالى ، وأنَّه لا يجوزُ عليه العدم ، وأنه تعالى موصوفٌ بصفاتِ الجلال والكمال مِنَ : العلم ، والقدرة ، والإرادة ، والكلام ، والسمع ، والبصر ، والحياة ، وأنَّهُ تعالى منزَّهٌ عن صفاتِ النقصِ التي هي أضدادُ تلك الصفات ، وعن صفاتِ الأجسامِ والمتحيِّزات ، وأنَّهُ واحدٌ صمدٌ ، فَرْدٌ ، خالقُ جميعِ المخلوقات ، متصرِّفٌ فيها بما يشاء من التصرُّفات ، يفعلُ في ملكه ما يريد ، ويحكُمُ في خلقه ما يشاء .
والإيمان بالملائكة : هو التصديقُ بأنَّهم : عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ، لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [1/145] ، و : يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ، وأَنَّهُمْ سُفَرَاءُ الله بينه وبين رسله ، والمتصرِّفون كما أَذِنَ لهم في خلقه .
والإيمانُ بكتب الله : هو التصديقُ بأنَّها كلامُ الله ، ومِنْ عِنْدِهِ ، وأنَّ ما تضمَّنَتْه حقٌّ ، وأنَّ الله تعالى تعبَّد خلقه بأحكامها وفَهمِ معانيها .
والإيمانُ برسل الله : هو أَنَّهُمْ صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى ، وأنَّ الله تعالى أيَّدَهُمْ بالمعجزاتِ الدالَّةِ على صدقهم ، وأنَّهم بلَّغوا عن الله رسالاتِه ، وبيَّنوا للمكلَّفين ما أمرهم الله بنيانه ، وأنَّهُ يجبُ احترامُهُمْ ، وألا يفرِّقَ بين أحدٍ منهُمْ .
والإيمانُ باليوم الآخر : هو التصديقُ بيوم القيامة ، وما اشتمَلَ عليه من الإعادةِ بعد الموت ، والنَّشْرِ ، والحشر ، والحساب والميزان والصِّرَاط ، والجنة والنار ، وأنهما دارا ثوابِهِ وجزائِهِ للمُحْسِنين والمُسِيئين ، إلى غير ذلك مما صَحَّ نصُّه ، وثبَتَ نقله .
والإيمانُ بالقدر : هو التصديقُ بما تقدَّم ذكره ، وحاصله : هو ما دلّ عليه قوله تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ وقوله : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وقوله : وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وإجماعُ السلف والخلف على صِدْقِ قول القائل : ما شاء الله كان ، وما لم يَشَأْ لم يكن ، وقولِهِ عليه الصلاة والسلام : " كُلُّ شَيْءٍ بِقَدرٍ حتَّى العَجْزُ والكَيْسُ " .
تنبيه :
مذهبُ السلفِ وأئمَّةِ الفتوى من الخَلَف : أنَّ من صدَّق بهذه الأمور تصديقًا جَزْمًا لا ريبَ فيه ولا تردُّدَ ولا توقُّف ، كان مؤمناً حقيقةً ، وسواءٌ كان ذلك عن براهينَ ناصعة ، أو عن اعتقاداتٍ جازمة .
[1/146] على هذا انقرضَتِ الأعصارُ الكريمة ، وبها صرَّحتْ فتاوى أئمة الهدى المستقيمة ، حتى حدثَتْ مذاهبُ المعتزلة المبتدعة ، فقالوا : إنَّهُ لا يصحُّ الإيمانُ الشرعيُّ إلا بعد الإحاطةِ بالبراهينِ العقليَّةِ والسمعيَّة ، وحصولِ العلمِ بنتائجها ومطالبها ، ومَنْ لم يحصُلْ إيمانه كذلك فليس بمؤمن ، ولا يجزئ إيمانُهُ بغير ذلك ؛ وتبعهم على ذلك جماعةٌ من متكلِّمي أصحابنا ؛ كالقاضي أبي بكر ، وأبي إسحاقَ الإسْفَرَايِينِيِّ ، وأبي المَعَالِي في أوَّل قولَيْهِ .
والأولُ هو الصحيح ؛ إذ المطلوب من المكلَّفين ما يقال عليه : إيمان ؛ كقوله تعالى : آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ .
والإيمانُ : هو التصديقُ لغةً وشرعًا ؛ فمَنْ صدَّق بذلك كلِّه ، ولم يُجَوِّزْ نقيضَ شيء من ذلك : فقد عَمِلَ بمقتضى ما أمره الله به على نحو ما أمره الله تعالى ، ومَنْ كان كذلك ، فقد تَقصَّى عن عُهدَةِ الخطاب ؛ إذ قد عمل بمقتضى السُّنَّةِ والكتاب ، ولأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَهُ بعده حكموا بصحَّةِ إيمانِ كُلِّ مَنْ آمن وصدَّق بما ذكرناه ، ولم يفرِّقوا بين مَنْ آمن عن برهان أو عن غيره ؛ ولأنَّهم لم يأمروا أجلافَ العربِ بترديد النظر ، ولا سألوهم عن أدلَّةِ تصديقهم ، ولا أرجؤوا إيمانَهُمْ حتى ينظروا ، وتحاشَوْا عن إطلاق الكفر على أحدٍ منهم ، بل سَمَّوْهُمُ المؤمنين والمسلمين ، وأَجْرَوْا عليهم أحكامَ الإيمان والإسلام ، ولأنَّ البراهين التي حرَّرها المتكلِّمون ، ورتَّبها الجَدَليُّونْ ، إنما أحدثها المتأخِّرون ، ولم يَخُضْ في شيء من تلك الأساليب السلَفُ الماضونْ ؛ فمِنَ المحال والهذيانْ : أنْ يُشْتَرَطَ في صحة الإيمانْ ، ما لم يكنْ معروفًا ولا معمولاً به لأهلِ ذلك الزمانْ ، وهم مَنْ هم فَهمًا عن الله ، وأخذًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتبليغًا لشريعتِهِ ، وبيانًا لسنته وطريقتِهِ ، وسيأتي قولٌ شافٍ في ذلك إن شاء الله .
[1/147] والملائكة : جمعُ مَلَك ، وقد اختُلِفَ في اشتقاقه ووزنه ؛ فقال ابن شُميل : لا اشتقاقَ له ، وقال ابن كَيْسَانَ : وزنه : فَعَلٌ من المُلْكِ ، وقال أبو عُبَيْدَة : هو مَفْعَلٌ من : لَأَكَ ، أي : أرسَلَ ، وقال غيره : إنه مأخوذٌ من الأَلُوكَة ، وهي الرسالة ، فكأنها تؤلك في الفم ، قال لَبِيدٌ :
وَغُلاَمٍ أَرْسَلَتْهُ أُمُّهُ
بِأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا ما سَأَلْ
فأصله على هذا : مَأْلَكٌ ؛ فالهمزة فاءُ الفعل ، لكنَّهم قلبوها إلى عينه ، فقالوا : مَلأَْكٌ ، ثم سهَّلوه ، فقالوا : مَلَاكٌ ، وقد جاء على أصله في الشعر ؛ قال :
فَلَسْتَ لِإِنْسِيٍّ ولَكِنْ لِمَلأَْكٍ
تَنَزَّلَ مِنْ جَو السَّمَاءِ يَصُوبُ
وقيل : هو مَلْكٌ من مَلَكَ ، نحو : شَمَلٍ من شَمَلَ .
والساعة في أصل الوضع : مقدارٌ مَّا من الزمان ، غيرُ معيَّن ولا محدود ؛ لقوله تعالى : مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ .
وفي عرف أهل الشرع : عبارةٌ عن يوم القيامة . وفي عرف المعدِّلين : جزءٌ من أربعة وعشرين جزءا من أوقاتِ الليل والنهار .
والأشراط : هي الأَماراتُ والعلامات ؛ ومنه قوله تعالى : فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا وبها سمي الشُّرَطُ ؛ لأنَّهم يُعْلِمُون أنفسَهُمْ بعلامات يُعْرَفون بها .
[1/148] والأمَة هنا هي : الجاريةُ المستَوْلَدَة ، وربَّها سَيِّدها ، وقد سُمِّي بعلا في الرواية الأخرى ، كما سماه الله تعالى بعلا في قوله : أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ . في قول ابن عباس ، وحُكِيَ عنه أنه قال : لم أدر ما البَعْلُ حتَّى قلتُ لأعرابيٍّ : لِمَنْ هذه الناقةُ ؟ فقال : أنا بَعْلُها . وقد سُمِّي الزوجُ بَعْلاً ، ويجمع : بُعُولة ؛ كما قال تعالى : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ ، وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا ورَبَّتها : تأنيثُ رَبٍّ .
واختُلِف في معنى ( قوله : " أنْ تلد الأمةُ رَبَّتهَا " ) على ثلاثة أقوال :
أحدها : أن المراد به : أن يستولي المسلمون على بلاد الْكُفْرِ ، فيكثُرُ التسرِّي ؛ فيكونُ ولَدُ الأَمَةِ من سيِّدها بمنزلة سيِّدها ؛ لشرفِهِ بأبيه ، وعلى هذا : فالذي يكون مِنْ أشراطِ الساعة : استيلاءُ المسلمين على المشركين ، وكَثْرَةُ الفتوح والتسرِّي .
وثانيها : أن يبيعَ السادةُ أمّهاتِ أولادهم ، ويكثُرَ ذلك ؛ فتتداوَلُ الأمهات المستولَدَةَ ، فربَّما يشتريها ولدها أو ابنتها ولا يشعر بذلك ؛ فيصيرُ ولدُهَا ربَّها ، وعلى هذا : فالذي يكون من الأشراط : غلبةُ الجهلِ بتحريمِ بيعِ أُمَّهَاتِ الأولاد ، والاستهانةُ بالأحكام الشرعيَّة ؛ وهذا على قولِ مَنْ يرى تحريمَ بيعِ أُمَّهاتِ الأولاد ، وهم الجمهور ؛ ويصحُّ أن يحمَلَ ذلك على بيعهنَّ في حال حَمْلِهِنَّ ، وهو محرَّمٌ بالإجماع .
وثالثها : أن يكْثُرَ العقوقُ في الأولاد ، فيُعَامِلَ الولدُ أُمَّهُ معاملةَ السيِّد أمَتَهُ من الإهانة والسَّبِّ ؛ ويشهدُ لهذا قولُهُ في حديث أبي هريرة : " المَرْأَة " مكان " الأَمَة " . وقولُهُ - صلى الله عليه وسلم - : " لا تقومُ الساعةُ حتَّى يكونَ الوَلَدُ غَيْظًا " .
[1/149] و ( قوله : " وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ " ) .
الحُفَاةُ : جمعُ حافٍ ، وهو الذي لا يلبس في رِجْلهِ شيئًا . والعُرَاة : جمعُ عارٍ ، وهو الذي لا يلبس على جَسَدِهِ ثوبًا . والعَالَةُ مخفَّفةَ اللام : جمع عائل ، وهو الفقير ، والعَيْلة : الفقر ؛ يقال : عال الرجلُ يَعِيل عَيْلَةً : إذا افتقر ، وأَعال يُعِيلُ : إذا كَثُرَ عياله ، وهذه الأوصاف هي غالبة على أهل البادية ، وقد وصفهم في حديث أبي هريرة بأنهم صُمٌّ بكم عمي ، ويعني بذلك - والله تعالى أعلم - : أنهم جَهَلَةٌ رَعَاعٌ ، لم يستعملوا أسماعهم ولا كلامهم في عِلْمٍ ولا في شيء من أمر دينهم ، وهذا نحو قوله تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ؛ أطلَقَ ذلك عليهم مع أنَّهم كانت لهم أسماعٌ وأبصار ، ولكنَّهم لما لم تحصُلْ لهم ثمراتُ تلك الإدراكات ، صاروا كأنَّهم عَدِمُوا أصلَهَا ، وقد أوضح هذا المعنى قولُهُ تعالى : لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ .
ومقصودُ هذا الحديث : الإخبارُ عن تبدُّلِ الحال وتغيُّره ؛ بأنْ يستولي أهلُ الباديةِ الذين هذه صفاتُهمْ على أهل الحاضرة ، ويتملَّكوا بالقهر والغلبة ، فتكثُرَ أموالُهُمْ ، وتتسعَ في حُطَامِ الدنيا آمالُهُم ، فتنصرفَ هِممهُمْ إلى تشييد المَبانِي ، وهَدْمِ الدين وشريفِ المعاني ، وأنَّ ذلك إذا وُجِدَ ، كان من أشراط الساعة .
ويؤيِّد هذا : ما ذُكِرَ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " لا تقومُ الساعةُ حتى يكونَ أَسْعَدَ الناسِ بالدنيا لُكَعُ بْنُ لُكَعَ " وقد شوهد هذا كلُّه عِيَانَا ، فكان ذلك على صِدْقِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى قرب الساعة حُجَّةً [1/150] وبرهانَا ، وفيه : دليلٌ على كراهية ما لا تدعو الحاجةُ إليه مِنْ تطويلِ البناء وتشييدِه ؛ وقد قال - عليه الصلاة والسلام - : " يُؤْجَرُ ابنُ آدَمَ في كلِّ شيء إلا ما يَضَعُهُ في هذا التراب " ومات رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يَضَعْ حَجَرًا على حجرِ ، ولا لَبِنَةً على لبنة ، أي : لم يشيِّد بناءً ، ولا طوَّله ، ولا تأنَّق فيه .
والرِّعَاء : جمعُ راع ، وأصلُ الرعي : الحفظ . والشاء : جمع شاة ، وهو من الجمعِ الذي بينه وبين واحده الهاء ، وهو كثيرٌ فيما كان خِلْقَةً لله تعالى ؛ كشَجَرَةٍ وشَجَر ، وثَمَرَةٍ وثَمَر ، وإنما خَصَّ رِعَاءَ الشاء بالذِّكْر ؛ لأنهم أضعفُ أهلِ البادية .
والبَهْم بفتح الباء : جمعُ بَهيمَة ، وأصلها : صغار الضَّأْن والمَعْز ، وقد يختصُّ بالمعز ، وأصله من استبهَمَ عن الكلام ، ومنه البهيمة .
ووقع في البخاري : " رِعَاءُ الإبلِ البُهمُ " بضم الباء ، جمع بَهِم ، وهو : الأسود الذي لا يخالطه لونٌ آخر ، وقُيِّدَتْ ميم البُهم بالكسر والضم ، فمَنْ كسرها جعلها صفةً للإبل ، ومن رفعها جعلها صفةً للرعاء ، وقيل : معناه : لا شيءَ لهم ؛ كما قال - عليه الصلاة والسلام - : " يُحْشَرُ الناسُ يومَ القيامة حُفَاةً عُرَاةً غرلا " .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : وهذا التأويلُ فيه نظر ؛ لأنه قد نَسَبَ لهم إِبِلاً ، وظاهرها المِلْكُ ، وقال الخَطَّابيُّ : هو جمعُ بَهِيمٍ ، وهو المجهولُ الذي لا يُعْرَف . قال المؤلف رحمه الله تعالى : والأَوْلَى أن يُحْمَلَ على أنَّهم سودُ الألوان ؛ لأن الأَدَمَةَ غالبة على ألوانهم ، وروايةُ مسلم في رعاء البَهمِ من غير ذكر الإبل أولى ؛ لأنَّها الأنسب لِمَسَاقِ الحديث ولمقصوده ؛ فإنَّ مقصودَهُ ، أنَّ أضعف [1/151] أهل البادية وهم رعاء الشاء ، سينقلب بِهِمُ الحال إلى أن يصيروا ملوكًا مع ضعفهم وبُعْدِهِمْ عن أسباب ذلك ، وأمَّا أصحابُ الإبل فهم أهلُ الفخرِ والخُيَلاَء ؛ فإنَّ الإبل عِزُّ أهلها ، ولأنَّ أهلَ الإبل ليسوا عالةً ولا فقراءَ غالبًا .
و ( قوله : " وَتُؤْمِن بالبعْثِ الآخِرِ " ) وصفُ البعثِ بالآخر يَحْتَمِلُ أن يكون على جهة التأكيد ، كما قالوا : أَمْسِ الدابرُ ، وأَمْسِ الذاهبُ . ويَحْتمل أن يقال : إن البعث : إحياءٌ بعد إماتة ، وقد فعل الله ذلك مرتين ؛ فأحياناً بعد أَنْ كنَّا نُطَفًا وعَلَقًا ومُضَغًا وهي أمواتٌ ، ثم يحيينا ليومِ القيامة وهو البَعْثُ الآخِر ؛ كما قال الله تعالى : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ قال أهلُ التفسير : أمواتًا في حال كوننا نُطْفًا وعَلَقًا في الأرحام ، ثُمَّ نفخَ الرُّوحَ وأحيا .
و ( قوله : " فعجبنا له يَسْأَلُهُ ويُصَدِّقُهُ " ) ؛ إنَّما تعجَّبوا من ذلك ؛ لأنَّ ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يُعْرَفُ إلا مِنْ جهته ، وليس هذا السائلُ مِمَّنْ عُرِفَ بلقاءِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولا بالسَّمَاعِ منه ، ثم هو قد سأل سؤالَ عارفٍ محقِّقٍ مصدِّقٍ ؛ فتعجَّبوا من ذلك تعجُّبَ المُسْتَبْعِدِ لأنْ يكونَ أحدٌ يعرف تلك الأمورَ المسؤولَ عنها من غير جهة النبي - صلى الله عليه وسلم - .
و ( قوله : " فَلَبِثَ مليًّا " ) أي : أقام بعد انصرافه حينًا ، يعني : النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، ويُروى : فَلَبِثْتُ بتاء مضمومة للمتكلِّم ، فيكونُ عمر هو الذي أخبَرَ بذلك عن نفسه ، وكلاهما صحيحُ المعنى .
[1/152] و ( قوله : " إنَّه جبريل " ) دليلٌ على أنَّ الله تعالى مكَّنَ الملائكةَ من أن يتمثَّلوا فيما شاؤوا من صور بني آدم ؛ كما قد نصّ الله تعالى على ذلك في قوله تعالى : فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا .
وقد كان جبريلُ يتمثَّلُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في صورة دِحْيَةَ بنِ خَلِيفَة ، وقد كان لجبريل صورةٌ خاصَّة خُلِقَ عليها لم يَرَهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عليها غير مرتين ؛ كما صحَّ الحديث بذلك ؛ وهذا يدلُّ على أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عرَفَ جبريلَ لكنْ في آخر الأمر ، فأمَّا قبلَ ذلك ، فقد جاء في كتاب البخاري : التصريحُ بأنَّه لم يَعْرِفْ أنَّهُ جبريلُ إلا في آخر الأمر .
و ( قوله : " أتاكم يُعلِّمُكُمْ دِينَكُمْ " ) أي : قواعدَ دينكم ، أو كُلِّيَّاتِ دينكم ؛ قال القاضي : وهذا الحديث قد اشتمل على جميعِ وظائف العبادات الظاهرة والباطنة ؛ مِنْ عقودِ الإيمان ، وأعمالِ الجوارح ، وإخلاصِ السرائر ، والتحفُّظِ مِنْ آفاتِ الأعمال ، حتى إنَّ علومَ الشريعة كُلَّهَا راجعةٌ إليه ، ومتشعِّبَةٌ منه .
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - : فيصلُحُ هذا الحديث أن يقالَ فيه : إنه أُمُّ السُّنَّة ؛ لما تضمَّنه مِنْ جُمَلِ عِلْمِ السُّنَّة ، كما سُمِّيَتِ الفاتحةُ : أُمُّ الكتاب ؛ لما تضمَّنته مِنْ جملِ معاني القرآن ، كما سيأتي بيانُهَا ، إن شاء الله تعالى .