‎( 21 ) بَابُ
عَلاَمَاتِ النِّفَاقِ
58 - [ 48 ] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عمرو ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ ، كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ ، كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا : إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ .


[1/249] ( 21 ) وَمِنْ بَابِ عَلاَمَاتِ النِّفَاقِ
( قوله : " أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ ، كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا " ) قال ابنُ الأنباريِّ : في تسميةِ المنافقِ منافقًا ثلاثةُ أقوال :
أحدها : أنَّه سمِّي بذلك ؛ لأنَّه يستُرُ كفره ؛ فأشبه الداخلَ في النَّفَق ، وهو السَّرَبُ .
وثانيها : أنه شُبِّهَ باليربوعِ الذي له جُحْرٌ يقال له : القَاصِعاء ، وآخَرُ يقال له : النَّافِقاء ، فإذا أُخِذَ عليه مِنْ أحدهما ، خرَجَ من الآخر ؛ وكذلك المنافق : يخرُجُ من الإيمانِ مِنْ غير الوجهِ الذي يدخُلُ فيه .
وثالثها : أنَّه شُبِّه باليربوعِ مِنْ جهة أنَّ اليربوع يَخْرِقُ في الأرض ، حتى إذا قاربَ ظاهرَهَا ، أَرَقَّ الترابَ ، فإذا رَابه رَيْب ، دفَعَ الترابَ برأسِهِ فخرَجَ ، فظاهرُ جُحْرِهِ تراب ، وباطنُهُ حَفْر ، وكذلك المنافقُ : ظاهرُهُ الإيمان ، وباطنه الكفر .
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - : وظاهرُ هذا الحديثِ : أنَّ مَنْ كانتْ هذه الخصالُ الثلاثُ فيه ، خرَجَ من الإيمان ، وصار في النفاق الذي هو الكُفْرُ الذي قال فيه مالكٌ : " النفاقُ الذي كان على عَهدِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الزندقةُ عندنا اليَوْمَ " .
[1/250] وليس الأمرُ على مقتضى هذا الظاهرِ ؛ لِمَا قرَّرناه في أوَّلِ الكتابِ ، وأَعَدْناه في البابِ الذي قبلَ هذا .
ولمَّا استحالَ حملُ هذا الحديثِ على ظاهره على مذهبِ أهل السنة ، اختلَفَ العلماءُ فيه على أقوال :
أحدها : أنَّ هذا النفاقَ هو نفاقُ العملِ الذي سألَ عنه عمرُ حذيفةَ لما قال له : هل تعلَمُ فيَّ شيئًا من النفاق ؟ أي : مِنْ صفات المنافقين الفعليَّة ، ووجهُ هذا : أنَّ مَنْ كَانَتْ فيه هذه الخصالُ المذكورة ، كان ساترًا لها ، ومظهرًا لنقائضها ؛ فصدَقَ عليه اسمُ منافق .
وثانيها : أنّه محمولٌ على مَنْ غلبتْ عليه هذه الخصال ، واتَّخَذَها عادةً ، ولم يبالِ بها ؛ تهاوُنًا واستخفافًا بأمرها ؛ فأي مَنْ كان هكذا ، كان فاسدَ الاِعتقادِ غالبًا ، فيكونُ منافقًا خالصًا .
وثالثها : أنَّ تلك الخصالَ كانتْ علامةَ المنافقين في زمانه ؛ فإنَّ أصحابَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كانوا متجنبين لتلك الخصال ؛ بحيث لا تقع منهم ، ولا تُعْرَفُ فيما بينهم ؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاس وابنُ عمر ، ورُوِيَ عنهما في ذلك حديثٌ ، وهو أنهما أَتَيَا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فسألاه عن هذا الحديث ، فضحكَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وقال : ما لكم ولهنَّ ، إنما خصَصْتُ بهنَّ المنافقين ، أنتم مِنْ ذلك بُرَآء ، وذكر الحديثَ بطولِهِ القاضي عياض ، قال : وإلى هذا صارَ كثيرٌ من التابعين والأئمَّة .
و ( قوله : " وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ " ) أي : مال عن الحَقِّ ، واحتال في ردِّه وإبطاله .
[1/251] قال الهَرَوِيُّ : " أصلُ الفجور : الميلُ عن القصد ، وقد يكونُ الكذبَ " . والخَلَّةُ بفتح الخاء : الخَصْلة ، وجمعها خِلاَل ، وبالضمِّ الصداقة . والزُّعْمُ بضم الزاي قولٌ غيرُ محقَّق ؛ كما تقدَّم .