‎( 25 ) بَابُ
كُفْرَانِ العَشِيرِ ، وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ
79 - [ 62 ] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ أَنَّهُ قَالَ : يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ، تَصَدَّقْنَ ، وَأَكْثِرْنَ الاِسْتِغْفَارَ ؛ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أهل النَّارِ . فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَةٌ : وَمَا لَنَا - يَا رسولَ الله - أَكْثَرَ أهل النَّارِ ؟ قَالَ : تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ ! قَالَتْ : يَا رسولَ الله وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ ؟ قَالَ : أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ : فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ ؛ فَهَذَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ ، وَتَمْكُثُ اللَّيَالِيَ وَمَا تُصَلِّي ، وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ ؛ فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ .


[1/268] ( 25 ) وَمِنْ بَابِ كُفْرَانِ العَشِيرِ ، وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ
( قوله : " يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ، تَصَدَّقْنَ ، وَأَكْثِرْنَ الاِسْتِغْفَارَ ؛ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أهل النَّارِ " ) هذا نداءٌ لجميع نساء العالم إلى يوم القيامة ، وإرشادٌ لهنَّ إلى ما سيُخَلِّصُهُنَّ من النار ، وهو الصدقةُ مطلقًا ، واجبُهَا وتطوُّعُهَا .
والظاهر : أنّ المراد هنا القدرُ المشترَكُ بين الواجبِ والتطوُّع ؛ لقوله في بعض طرقه : ولو مِنْ حُلِيِّكُنَّ . والاستغفار : سؤالُ المغفرة ، وقد يعبَّر به عن التوبة ؛ كما قال تعالى : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا أي : توبوا ، وإنما عبَّر عن التوبةِ بالاستغفارِ ؛ لأنَّه إنَّما يصدُرُ عن الندمِ وجل الإصرار ، وذلك هو التوبة . فأمَّا الاستغفارُ مع الإصرار ، فحالُ المنافقين والأشرار ، وهو جديرٌ بالردِّ وتكثيرِ الأوزار ، وقد قال بعضُ العارفين : " الاستغفارُ باللسانِ توبةُ الكذَّابين " .
و ( قوله : " رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أهل النَّارِ " ) أي : اطَّلَعَ على نساءٍ آدميَّات من نوع المخاطَبَات ، لا أنفس المخاطبات ؛ كما قال في الرواية الأخرى : اطَّلَعْتُ عَلَى [1/269] النَّارِ ، فَرَأَيْتُ َأكْثَرَ أَهلِهَا النِّسَاءَ . فلمَّا سمع النساءُ ذلك ، عَلِمْنَ أنَّ ذلك كان لسبب ذنبٍ سبَقَ لهنَّ ، فبادرَتْ هذه المرأةُ لجزالتها وشِدَّةِ حرصها على ما يُخَلِّصُ من هذا الأمر العظيم ، فسأَلَتْ عن ذلك ، فقالت : وَمَا لَنَا أَكْثَرَ أهل النَّارِ ؟ ، فأجابها - صلى الله عليه وسلم - : تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ ، وتَكْفُرْنَ العشيرَ ، أي : يدور اللعنُ على ألسنتهنَّ كثيرًا لمن لا يجوزُ لعنه ؛ وكان ذلك عادةً جاريةً في نساء العرب ، كما قد غَلَبَتْ بعد ذلك على النساءِ والرجال ، حتَّى إنَّهم إذا استحسنوا شيئًا ربَّما لعنوه ، فيقولون : ما أشعرَهُ! لَعَنَهُ الله!! ، وقد حكى بعضهم أنَّ قصيدةَ ابنِ دُرَيْدٍ كانتْ تسمَّى عندهم : الملعونة ؛ لأنَّهم كانوا إذا سمعوها ، قالوا : " ما أشعرَهُ! لعَنَهُ اللهُ!! " ، وقد تقدَّم أنَّ أصل اللعن : الطردُ والبُعْد .
والعَشِير : هو المعاشرُ والمخالط مطلقًا ، والمرادُ به هنا : الزَّوْج ، والكفر : كفرانُ الحقوق ؛ ويدلُّ على صحَّة الأمرين : حديثُ الموطَّأ ، الذي قال فيه : لكْفُرْهنَ ، قيل : أَيَكْفُرْنَ بالله ؟ فقال : يَكْفُرْنَ العَشِيرَ ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ ، لَو أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهرَ ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا ، قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ .
والجَزَالَة : الشهامةُ والجدَّة ، مع العقل والرفق ؛ قال ابن دُرَيْد : الجزالةُ : الوقارُ والعقل ، وأصلُ الجزالة : العِظَمُ من كلِّ شيء ، ومنه : عطاءٌ جَزْلٌ . واللُّبُّ : العقلُ ، سمِّي بذلك ؛ لأنَّه خلاصةُ الإنسان ولبُّه ولبابُهُ ، ومنه سُمِّيَ قلب الحبّ : لُبًّا .
والعقلُ الذي نُقِصَهُ النساء : هو التثبُّتُ في الأمور ، والتحقيقُ فيها ، والبلوغُ فيها إلى غاية الكمال ، وهُنَّ في ذلك غالبًا بخلافِ الرجال .
وأصل العقل : العلمُ ، وقد يقال على الهدوءِ والوقارِ والتثبُّتِ في الأمور ، [1/270] وللعلماءِ خلافٌ في حَدِّ العقل المشتَرَطِ في التكليف ، ليس هذا موضعَ ذكره .
والدِّين هنا يرادُ به : العباداتُ ، وليس نقصانُ ذلك في حقِّهنَّ ذمًّا لهنَّ ؛ وإنَّمَا ذكر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك مِنْ أحوالهنَّ على معنى التعجبِ من الرجال ، حيثُ يغلبهم مَنْ نقَصَ عن درجتهم ، ولم يبلُغْ كمالهم ؛ وذلك هو صريحُ قوله - عليه الصلاة والسلام - : مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ ؛ وذلك نحوا ممَّا قاله الأعشى فيهنَّ :
وَهُنَّ شَرُّ غَالِبٌ لِمَنْ غَلَبْ
ونحو قولهم فيما جرَى مجرى المثل : يَغْلِبْنَ الكِرَامْ ، ويَغْلِبُهُنَّ اللِّئَامْ . وفيه : ما يدلُّ على أنَّ الحائضَ لا تُصَلِّي ولا تصومُ مُدَّةَ حَيْضِها ، وهو مجمعٌ عليه ، وسيأتي إن شاء الله تعالى .