[4/239] 69 - باب
هَلْ يَأخُذُ الإِمَامُ - إذا شَكَّ - بِقوْلِ النَّاسِ ؟
714 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن أيوب بن أبي تميمة السختياني ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من اثنتين ، فقالَ لهُ ذو اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله ؟ فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : أصدق ذو اليدين ؟ فقال الناس : نعم ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى اثنتين أخريين ، ثم سلم ، ثم كبر ، فسجد مثل سجوده أو أطول .
715 - حدثنا أبو الوليد ، قالَ : ثنا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، قالَ : صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ركعتين ، فقيل لهُ : صليت ركعتين ، فصلى ركعتين ، ثم سلم ، ثم سجد سجدتين .


إنما سلم النبي صلى الله عليه وسلم من اثنتين في هذه الصلاة ؛ لأنه كانَ يعتقد أن صلاته قد تمت ، وكان جازما بذلك ، لم يدخله فيهِ شك ، ومثل هذا الاعتقاد يسمى يقينا ، ووقع ذَلِكَ في كلام مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة ، فلما قالَ لهُ ذو اليدين ما قالَ حصل لهُ شك حينئذ ، ولما لم يوافق أحد من المصلين ذا اليدين على مقالته مع كثرتهم حصل في قوله ريبة بانفراده بما أخبر به ، فلما وافقه الباقون على قوله رجع حينئذ إلى قولهم ، وعمل به ، وصلى ما تركه ، وسجد للسهو .
ويؤخذ من ذَلِكَ : أن المنفرد في مجلس بخبر تتوافر الهمم على نقله يوجب التوقف فيهِ حتى يوافق عليهِ .
وليس هذا كالمنفرد بشهادة الهلال ؛ لأن الأبصار تختلف في الحدة ، بخلاف الخبر الذي يستوي أهل المجلس في علمه .
[4/240] ويؤخذ منه - أيضا - : أن المنفرد بزيادة على الثقات يتوقف في قبول زيادته حتى يتابع عليها ، لا سيما إن كانَ مجلس سماعهم واحدا .
وقد اختلف العلماء فيما إذا أخبر المأمومون الإمام ، فهل يرجع إلى قولهم أم لا ؟
وهذا على قسمين :
أحدهما : أن يتيقن صواب نفسه ، فلا يرجع إلى قول من خالفه ولو كثروا .
وحكي لأصحابنا وجه آخر بالرجوع ، وقيل : إنه لا يصح .
والثاني : أن يشك ، ثم يخبره المأمومون بسهوه بقول أو إشارة أو تسبيح أو غير ذَلِكَ ، ففيه أقوال :
أحدها : أنه يلزمه الرجوع إلى قول واحد فما زاد ؛ لأنه خبر ديني فيقبل فيهِ خبر واحد ثقة ، كوقت الصلاة وطهارة الماء ونجاسته ، وهو قول أبي حنيفة .
ولأصحابنا وجه مثله في الزيادة .
والثاني : إن أخبره اثنان فصاعدا لزمه الرجوع إلى قولهما ، وإن أخبره واحد لم يرجع إليه ، وهذا رواية عن مالك ، والمشهور عن أحمد .
واحتج : بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتف بخبر ذي اليدين حتى وافقه غيره .
والثالث : أنه يستحب لهُ الرجوع إلى قول الاثنين ، ولا يجب ، بل لهُ أن يبني على يقين نفسه ، أو يتحرى ، وله أن يرجع إلى قولهما ، وهو أفضل ، وهو رواية عن أحمد .
والرابع : أنا إن قلنا : أن الشاك يبني على اليقين ، فلا يرجع إلى قول واحد ، وإن قلنا : يتحرى ويعمل بما يغلب على ظنه رجع إلى قول المأمومين ، هذا قول ابن عقيل من أصحابنا .
[4/241] وجمهورهم قالوا : يرجع على كلا القولين ؛ لأن الرجوع إلى خبر الاثنين رجوع إلى شهادة شرعية ، فيعمل بها على كل حال ، بخلاف التحري والرجوع إلى الأمارات المحضة .
ويشهد لهُ : أن أحمد نص على أنه يرجع إلى تسبيح الاثنين ، وإن غلب على ظنه خطؤهما .
والخامس : أنه لا يرجع إلى قول أحد ، بل يبني على يقين نفسه ، كالمنفرد ، وهو قول الثوري والشافعي ومالك في رواية .
وقال أهل هذا القول : إنما رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذكره ، لا إلى قول المأمومين ، كما قالَ : ( إنما أنا بشر ، أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني ) ، فدل على أنه إنما يرجع إلى ذكره ، لا إلى قولهم ، فإنه لم يقل : فإذا نسيت فردوني .
والسادس : أنه لا يرجع إلى قول الواحد والاثنين ، ويرجع إليهم إذا كثروا ؛ لأنه يبعد اتفاقهم على الخطأ مع كثرتهم ، وهو قول طائفة من المالكية والشافعية .
وإن كانَ المخبر للمصلي ، ليس معه في صلاته ، فهل يرجع إليه كما يرجع إلى قول المأمومين ؟ فيهِ وجهان لأصحابنا .
أصحهما : أنه يرجع إليهم ، وهو قول أشهب المالكي ، وظاهر كلام أحمد ؛ فإنه نص على أن الطائفين بالبيت يرجع بعضهم إلى قول بعض إذا أخبره اثنان عن عدد طوافه ، مع أن كل واحد منهم غير مشارك للآخر في طوافه ، فكذلك هاهنا .
وأما المأموم إذا شك في عدد الركعات ، ففيه ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه يرجع إلى فعل الإمام والمأمومين ، ويصنع ما صنعوا ، وهو [4/242] مذهب أصحابنا .
والثاني : أنه يبني على اليقين كالمنفرد ، وهو قول طائفة من المالكية والشافعية .
والثالث : إن كثروا رجع إلى متابعتهم ، وإلا فلا ، هوَ وجه لأصحاب مالك والشافعي .
ولو كانَ مع الإمام مأموم واحد ، فشك المأموم ، فهل يرجع إلى قول إمامه ؟
قالَ بعض أصحابنا : قياس المذهب : لا يرجع إليه ، كما لا يرجع الإمام إلى قول مأموم واحد .
وفيه نظر ؛ فإن الإمام ضامن ، وقد ورد الأمر بأن يصنع المأموم ما صنع إمامه .
خرجه الدارقطني من حديث جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( الإمام ضامن ، فما صنع فاصنعوا ) ، وفي إسناده مقال .
وبقية فوائد حديث أبي هريرة تذكر في مواضعه من ( أبواب : سجود السهو ) إن شاء الله تعالى .