‎( ‎ 47 ) بَابٌ
فِي رَفْعِ الأَْمَانَةِ وَالإِْيمَانِ مِنَ القُلُوبِ ، وَعَرْضِ الْفِتَنِ عَلَيْهَا
143 - [ 112 ] عَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثَيْنِ ، قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا ، وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ ؛ حَدَّثَنَا : أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ ، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ ، فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ ، وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ ، ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الأَمَانَةِ ، قَالَ : يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَْمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ ، فَنَفِطَ ، فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ ، ثُمَّ أَخَذَ حَصَاةً فَدَحْرَجَها عَلَى رِجْلِهِ ، فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ ، لاَ يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ ، حَتَّى يُقَالَ : إِنَّ فِي بَنِي فُلاَنٍ رَجُلاً أَمِينًا ، حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ : مَا أَجْلَدَهُ! مَا أَظْرَفَهُ! مَا أَعْقَلَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ .
وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ ، وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا أو يَهُودِيًّا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ ، وأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ لأُبَايِعُ مِنْكُمْ إِلاَّ فُلاَنًا وَفُلاَنًا.


( 47 ) وَمِنْ بَابِ رَفْعِ الأَْمَانَةِ وَالإِْيمَانِ مِنَ القُلُوبِ
( قوله : " إِنَّ الأَْمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ " ) جَذْرُ الشيء - بالجيم المفتوحة - : أصلُهُ ؛ على قولِ الأصمعيِّ ، وحكى أبو عمرو كسرها ، قال أبو عُبَيْدٍ : [1/356] الجَذْرُ : الأصلُ مِنْ كل شيء . ومعنى إنزالِهَا في القلوبِ : أنَّ الله تعالى جبَلَ القلوبَ الكاملةَ على القيامِ بحقِّ الأمانة ؛ مِنْ حِفْظِهَا واحترامِهَا ، وأدائِهَا لمستَحِقِّها ، وعلى النُّفْرةِ مِنَ الخيانةِ فيها ؛ لِتَنْتَظِمَ المصالحُ بذلك ، لا لأنَّها حَسَنَةٌ في ذاتها ؛ كما يقولُهُ المعتزلةُ ؛ على ما يُعْرَفُ في موضعه .
والأَمَانَةُ : كلُّ ما يُوَكَّلُ إلى الإنسانِ حفظُهُ ويُخَلَّى بينه وبينه ؛ ومِنْ هنا سُمِّيَ التكليفُ أمانةً في قوله تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ في قولِ كثيرٍ من المفسِّرين .
والوَكْتُ : الأَثَرُ اليسير ؛ يقال للبُسْرِ إذا وقَعَتْ فيه نُكْتةٌ من الأرطاب : قد وَكَّتَ ؛ قاله الهرويُّ ، وقال صاحبُ العين : الوَكْتُ ، بفتح الواو : نكتةٌ في العَيْن ، وعَيْنٌ موكوتة ، والوَكْتُ : سواد العين .
والمَجْلُ : هو أن يكونَ بين الجِلْدِ واللحم ماءٌ ، يقالُ : مَجِلَتْ يَدُهُ تَمْجَلُ مَجَلاً ، بكسر الجيم في الماضي وفتحها في المضارع ، ومَجَلَتْ ، بالفتح في الماضي ، والكسر في المضارع ، أي : تَنَفَّطَتْ مِنَ العمل .
ومُنْتَبِرًا : منتفِخًا ، وأصلُهُ : الارتفاعُ ، ومنه : انْتَبَرَ الأميرُ : إذا صَعِدَ المِنْبَرَ ؛ [1/357] وبه سمِّي المِنْبَرُ ، ونَبِرَ الجرحُ ، أي : وَرِمَ ، والنَّبْرُ : نَوْعٌ من الذُّبَابِ يَلْسَع ؛ ومنه سمِّي الهمزُ : نَبْرًا ، وكلُّ شيء ارتفَعَ : فقد نَبِرَ ، وقال أبو عبيد : مُنْتَبِرًا : مُنْتَفِطًا . و " لاَ يَكَادُ " أي : لا يقارب . و " ما أجلده! " أي : ما أقواه! . و " ما أظرفه! " أي : ما أحسَنَهُ! والظَّرْفُ عند العرب : في اللسان والجسم ، وهو حُسْنُهما ، وقال ابنُ الأعرابيِّ : الظَّرْفُ في اللسان ، والحَلاَوَةُ في العين ، والمَلاَحَةُ في الفم ، وقال المبرِّد : الظَّرِيفُ : مأخوذٌ من الظَّرْف ، وهو الوعاء ، كأنَّه جُعِلَ وعاءً للآداب ، وقال غيره : يقال منه : ظَرُفَ يَظْرُفُ ظَرْفًا ، فهو ظَرِيفٌ ، وَهُمْ ظُرَفَاء ، وإنما يقال في الفِتْيَانِ والفَتَيَاتِ أهلِ الخِفَّة .
و ( قوله : " لاَ أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ " ) يعني : من البيع ، لا مِنَ المبايعة ؛ لأنَّ اليهوديَّ والنصرانيَّ لا يبايعُ بَيْعَةَ الإسلام ، ولا بيعةَ الإمامة ، وإنما يعني : أنَّ الأمانةَ قد رُفِعَتْ من الناس ، فقَلَّ مَنْ يُؤْمَنُ على البيعِ والشراء . وقد قدَّمنا أنَّ أصلَ الفِتْنَة : الامتحانُ والاختبار ، ثم صارَتْ في العُرْفِ عبارةً عن : كلِّ أمرٍ كَشَفَهُ الاختبارُ عن سوء ؛ قال أبو زيد : فَتِنَ الرجلُ فُتُونًا : إذا وقَعَ في الفتنة ، وتحوَّل عن حالٍ حسنةٍ إلى حالٍ سيئة ، والأهلُ والمالُ والولدُ أمورٌ يُمْتَحَنُ الإنسانُ بها ، ويُخْتَبَرُ [1/358] عندها ؛ كما قال الله تعالى : إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ أي : مِحْنَةٌ تُمْتَحَنُونَ بها حتى يَظْهَرَ منكم ما هو خَفِيٌّ عمَّن يُشْكِلُ عليه أمركم .