178 - [ 141 ] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ؛ قَالَ : سَأَلْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ قَالَ : نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ . وَفِي رِوَايَةٍ : رَأَيْتُ نُورًا .

[1/407] و ( قوله - عليه الصلاة والسلام - : " نور أَنَّى أراه " ) هكذا رويناه وقيدناه برفع " نور " وتنوينه ، وفتح " أَنَّى " التي بمعنى " كيف " الاستفهامية ، ورواية من زعم أنه رواه : " نورٌ إني " ليست بصحيحة النقل ولا موافقة للعقل ، ولعلها تصحيف . وقد أزال هذا الوهم الرواية الأخرى ، حيث قال : " رأيت نورًا " ، ورفع " نور " على فعل مضمر تقديره : غلبني نورٌ ، أو حجبني نورٌ .
و " أَنَّى أراه " استفهام على جهة الاستبعاد ؛ لغلبة النور على بصره كما هي عادة الأنوار الساطعة كنور الشمس ، فإنه يُعشي البصر ، ويحيره إذا حدّق نحوه ، ولا يعارض هذا : " رأيتُ نورًا " ، فإنه عند وقوع بصره على النور رآه ، ثم غلب عليه بعد ، فضعُف عنه بصره . ولا يصح أن يُعتقد أن الله نور كما اعتقده هشام الجواليقي وطائفة المجسّمة ممن قال : هو نور لا كالأنوار ؛ لأن النور لون قائم بالهواء ، وذلك على الله تعالى محال عقلاً ونقلا .
[1/408] فأما العقل فلو كان عرضًا أو جسمًا ، لجاز عليه ما يجوز عليهما ، ويلزم تغيّره وحدثُه . وأما النقل فقوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ولو كان جسمًا أو عرضًا لكان كل شيء منهما مماثلاً له .
وقول هذا القائل : " جسم لا كالأجسام " ، أو " نور لا كالأنوار " متناقض ، فإن قوله : " جسم " أو " نور " ، حاكم عليه بحقيقة ذلك ، و قوله : " لا كالأجسام " يعني لما أثبته من الجسمية والنورية ، وذلك متناقض ، فإن أراد أنه يساوي الأجسام من حيث الجسمية ومفارق لها من حيث وصفٌ آخر ينفرد به ، لزمت تلك المحالات من حيث الجسمية ، ولم يتخلص منها بذكر ذلك الوصف الخاص ؛ إذ الأعمّ من الأوصاف تلزمه أحكام من حيث هو لا تلزم الأخصّ كالحيوانية والنطقية ، وتتميم هذا في علم الكلام .