‎( 2 ) كتاب الطهارة
( 1 ) باب
فضل الطهارة وشرطها في الصلاة
223 - [ 166 ] عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ ؛ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآنِ - أَو تَمْلأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، وَالصَّلاةُ نُورٌ ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أو عَلَيْكَ ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو ، فَبَائعٌ نَفْسَهُ ، فَمُعْتِقُهَا أو مُوبِقُهَا .


[1/473] ( 2 )
كتاب الطهارةِ
( 1 ) باب : فضل الطهارة
( قوله - عليه الصلاة والسلام - : " الطهور شطر الإيمان " ) الطَّهُور بفتح الطاء : الاسم ، وبضمها : المصدر ، ومنه قوله تعالى : وَأَنْـزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا . وكذلك الوضوء والوقود والوَجور والفطور الفتح للاسم ، والضم للمصدر .
وحكي عن الخليل في الوضوء الفتح فيهما ، ولم يعرف الضم ، قال ابن الأنباري : والأول هو المعروف والذي عليه أهل اللغة . فأما الغسل [1/474] فالفتح للمصدر ، والضم للماء ، عكس الوضوء ، على ما حكاه الجوهري ، وقد قيل في الغسل ما قيل في الوضوء .
والطهور والطهارة مصدران بمعنى : النظافة . تقول العرب : طَهَرَ الشيء : بفتح الهاء وضمها ، يطهُر بضَمِّها لا غير طهارةً وطهورًا ، كما تقول : نظف ينظف نظافةً ، ونزه ينزه نزاهَةً ، بضمها لا غير ، وهي التنزه عن المستخبثات المحسوسة والمعنوية ، كما قال تعالى : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا . والشطر : النصفُ ، وقد تقدم ، والشطر أيضًا : النحو والقَصد ، ومنه : شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وقول الشاعِر :
أقول لأم زنباع أقيمي
صدُور العيس شطرَ بني تميم
أي : نحوهم ، ويقال : شطر عنه ؛ أي : بعُدَ ، وشطر إليهِ ؛ أي : أقبل . والشاطر من الشبان : البعيد من الخير .
وقد اختُلِف في معنى قوله - عليه الصلاة والسلام - : " الطَهُور شطر الإيمان " ؛ على أقوالٍ كثيرةٍ ؛ أولاها : أن يقال : إنه أراد بالطهور الطهارةَ من المستخبثات الظَاهرِة والباطنةِ . والشطرُ : النصف ، والإيمان هنا : هو بالمعنى العام ، كما قد دللنا عليه بقوله - عليه الصلاة والسلام - : " الإيمان تصديق بالقلب ، وإقرارٌ باللسان ، وعملٌ بالأركان " .
ولا شك أن هذا الإيمان ذو خصال كثيرة ، وأحكام متعددةٍ ، غير أنها منحصرةٌ فيما ينبغي التنزه والتطَهر منه ، وهي كل ما نهى الشرع عنه ، وفيما [1/475] ينبغي التلبس والاتصاف به ، وهي : كل ما أمر الشَّرعُ به ، فهذان الصنفان عبر عن أحدهما بالطهارة على مستعمل اللغة ، وهذا كما قد روي مرفُوعًا : " الإيمان نصفان : نصف شكر ونصف صبر " ، وقد قيل : إن الطهارة الشرعية لما كانت تكفر الخطايا السابقة كانت كالإيمان الذي يجبُّ ما قبله ؛ فكانت شطر الإيمان بالنسبة إلى محو الخطايا ، وهذا فيه بعدٌ ؛ إذ الصلاة وغيرها من الأعمال الصالحة تكفر الخطايا ؛ فلا يكون لخصوصية الطهارة بذلك معنًى . ثم لا يصح أيضًا معنى كون الطهارة نصف الإيمان بذلك الاعتبار ؛ لأنها إنما تكون مثلاً له في التكفير ، ولا يقال على المثل للشيء : شطره ، وقيل : إن الإيمان هنا يراد به الصلاة ، كما قال الله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ؛ أي : صلاتكم على قول المفسرين ، ومعناه على هذا : أن الصلاة لما كانت مفتقرة إلى الطَّهارة كانت كالشطر لها ، وهذا أيضًا فاسد ؛ إذ لا يكون شرط الشيء شطره لا لغة ولا معنًى ، فالأولى التأويل الأول ، والله أعلم .
فإن قيل : كل ما ذكرتم مبني على أن المراد بالطهور : الطهارة ، وذلك لا يصح ؛ لأنه لم يروه أحدٌ فيما علمناه : الطُّهور ، بالضم ، وإنما روي بالفتح ، فإذا هو الاسم على ما تقدم . قلنا : يصح أن يقال : يحمل هذا على مذهب الخليل كما تقدَّم ، ويُمكن حمله على المعروف ، ويراد به استعمال الطَّهور شطر الإيمان .
و ( قوله : " والحمد لله تملأ الميزان " ) قد تقدم معنى الحمد ، وأنه راجعٌ إلى الثناء على مُثنى مَّا بأوصاف كماله ، فإذا حمد الله حامدٌ مستحضرًا معنى الحمد في [1/476] قلبه امتلأ ميزانه من الحسنات ، فإن أضاف إلى ذلك : سبحان الله ، الذي معناه تبرئة الله ، وتنزيهه عن كل ما لا يليق به من النقائص ، ملأت حسناته وثوابها زيادة على ذلك " ما بين السماوات والأرض " ؛ إذ الميزان مملوء بثواب التحميد ، وذكر السماوات والأرض على جهة الإغياء على العادة العربية ، والمرادُ : أن الثواب على ذلك كثيرٌ جدًّا ، بحيث لو كان أجسامًا لَمَلأ ما بين السماوات والأرض .
و ( قوله : " والصلاة نور " ) معناه : أن الصلاةَ إذا فعلت بشروطها : المصححة والمكملة نوّرت القلب ؛ بحيث تشرق فيه أنوار المكاشفات والمعارف ، حتى ينتهي أمر من يراعيها حق رعايتها أن يقول : " وجعلت قرة عيني في الصلاة " . وأيضًا : فإنها تنوِّر بين يدي مراعيها يوم القيامة في تلك الظلم ، وأيضًا : تنوَّر وجه المصلي يوم القيامة ، فيكون ذا غرةٍ وتحجيل ، كما قد ورد في حديث عبد الله بن بسر مرفوعًا : " أمتي يوم القيامة غر من السجود محجلون من الوضوء " .
و ( قوله : " والصدقة برهان " ) أي : على صحة إيمان المتصدق ، أو على أنه ليس من المنافقين الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين في الصدقات ، أو على صحة محبةِ المتصدق لله تعالى ، ولما لديه من الثواب ؛ إذ قد آثر محبة الله تعالى وابتغاء ثوابه ، على ما جُبل عليه من حُبّ الذهب والفضّة ؛ حتى أخرَجُه لله تعالى .
[1/477] و ( قوله : " والصبر ضياء " ) كذا صحت روايتنا فيه ، وقد رَوَاهُ بعض المشايخ : " والصوم ضياء " بالميم ، ولم تقع لنا تلك الرواية ، على أنه يصح أن يُعبر بالصبر عن الصوم ، وقد قيل ذلك في قوله تعالى : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ فإن تنزلنا على ذلك ؛ فيقال في كون الصبر ضياء ؛ كما قيل في كون الصلاة نورًا ، وحينئذ لا يكون بين النور والضياء فرق معنوي بل لفظي . والأولى أن يقال : إن الصبر في هذا الحديث غير الصوم ؛ بل هو الصَّبر على العبادات والمشاق والمصائب ، والصبر عن المخالفات ، والمنهيات ، كاتباع هوى النفس والشهوات وغير ذلك ، فمن كان صابرًا في تلك الأحوال ، متثبتًا فيها ، مقابلاً لكُلِّ حالٍ بما يليق به ضاءت له عواقب أحواله ، ووضحت له مصالح أعماله ، فظفر بمطلوبه ، وحصل له من الثواب على مرغوبه ، كما قيل :
فَقَل من جدَّ في أمر تطلبه
واستعمل الصبر إلا فاز بالظفر
و ( قوله : " والقرآن حجة لك أو عليك " ) يعني : أنك إذا امتثلت أوامره واجتنبت نواهيه كان حجَّة لك في المواقف التي تسأل فيها عنه ، كمسألة الملكين في القبر ، والمسألة عند الميزان ، وفي عقبات الصراط ، وإن لم تمتثل ذلك احتجّ به عليك ، ويحتمل أن يراد به : أن القرآن هو الذي يُنتهى إليه عند التَنازُع في المباحث الشرعيَّة والوقائع الحكمية ، فبه تَستَدلُّ على صحة دعواك ، وبه يستدل عليك خصمك .
و ( قوله : " كل الناس يغدو . . " الحديث ) يغدو بمعنى : يبكر ، يقال : [1/478] غدا إذا خرج صباحًا في مصالحه ، يغدو . وراح : إذا رجع بعشي ، ومعنى ذلك أن كل إنسان يصبح ساعيًا في أموره مُتصرفًا في أغراضه ، ثم إما أن تكون تصرفاته بحسب دواعي الشرع والحق ، فهو الذي يبيع نفسه من الله ، وهو بيع آيل إلى عتق وحرية ، كما قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ . وإما أن تكون تصرفاته بحسب دواعي الهوى والشيطان ، فهو الذي باع نفسه من الشيطان فأوبقها ؛ أي : أهلكها ، ومنه : أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا . ومنه قول ابن مسعود : " الناس غاديان ، فبائع نفسه فموبقها ، أو مفاديها فمعتقها " .