284 - [ 219 ] وَعَنْ أَنَس بْن مَالِكٍ ؛ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ ، فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ . فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : مَه مَه . قَالَ : قَالَ رسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : لا تُزْرِمُوهُ ، دَعُوهُ " فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ . ثُمَّ إِنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ : إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلا الْقَذَرِ ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ ، وَالصَّلاةِ ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، أو كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - . قَالَ : فَأَمَرَ رَجُلاً مِنَ الْقَوْمِ ، فَجَاءَ بِدَلو مِنْ مَاءٍ ، فَشَنَّهُ عَلَيْهِ .

و ( قوله : " مه مه " ) هي : اسم من أسماء الأفعال ، بمعنى كُفّ ، وهي ساكنة الهاء ، ويقال : به به بالباء بدل الميم ، فإن وَصَلْتَه نَوّنْتَ مَهٍ مَهٍ ، ويقال : مَهمَهتُ به ؛ أي زجرته .
و " لا تزرموه " : بتقديم الزاي ، أي : لا تقطعوا عليه بوله ، يقال : زَرِمَ بوله ، [1/544] بكسر الراء ؛ أي : انقطع ، وأزرمه غيره إزرامًا . وفي الحديث : " لا تزرموا " أي : لا تقطعوا عليه بوله . ويحتمل أمره بتركه أن يكون لئلا تنتشر النجاسة وتكثر ، ولئلا يضره قطعُه ، وليرفق به .
وقد فرقت الشافعية بين ورود الماء على النجاسة وورود النجاسة على الماء تمسكًا بهذا الحديث ، وبقوله - عليه الصلاة والسلام - : " إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث " .
فقالوا : إذا كان الماء دون القلتين فحلت به نجاسة تنجس ، وإن لم تغيره ، وإن ورد ذلك القدر فأقل على النجاسة فأذهب عينها بقي الماء على طهارته ، وأزال النجاسة ، وهذه مناقضة ؛ إذ المخالطة قد حصلت في الصورتين ، وتفريقهم بورود الماء على النجاسة وورودها عليه فرق صوري ليس فيه من الفقه شيء ، وليس الباب من باب التعبُدات ، بل هو من باب عقلية المعاني ، فإنه من باب إزالة النجاسة وأحكامها ، ثم هذا كله منهم يرده قوله - عليه الصلاة والسلام - : " الماء طهور لا ينجسه شيء ، إلا ما غير لونه أو رائحته أو طعمه " .
و ( قوله : " إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر " ) حجة لمالك في منع إدخال الميت المسجد وتنزيهها عن الأقذار جملة ، فلا يقص فيها شعر ، ولا ظفر ، ولا يتسوك فيها ؛ لأنه من باب إزالة القذر ، ولا يتوضأ فيها ، ولا يؤكل فيها طعامٌ منتن الرائحة ، إلى غير ذلك مما في هذا المعنى .
[1/545] و ( قوله : " إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن " ) حجة لمالك : في أن المساجد لا يفعل فيها شيء من أمور الدنيا ، إلا أن تدعو ضرورة أو حاجة إلى ذلك ، فيتقدر بقدر الحاجة فقط ، كنوم الغريب فيه وأكله .
و ( قوله : " فجاء بدلو من ماء فشنه عليه " ) يروى بالسين وبالشين ؛ أي : صبه ، وفرّق بعضهم بينهما فقال : السين مهملة : صبٌّ في سهولة ، ومعجمة : صبٌّ في تفريق ، ومنه حديث عمر : " كان يسن الماء على وجهه ولا يشنه " ، وفيه حجة للجمهور : على أن النجاسة لا يطهرها الجفوف بل الماء ، خلافًا لأبي حنيفة .