‎( ‎39 ) باب
تيمم الجنب والتيمم لرد السلام
368 - [ 289 ] عَنْ شَقِيقٍ ؛ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى ، فَقَالَ أبو مُوسَى : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ! أَرَأَيْتَ لَو أَنَّ رَجُلاً أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شهرًا . كَيْفَ يَصْنَعُ بِالصَّلاةِ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ : لا يَتَيَمَّمُ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شهرًا . فَقَالَ أبو مُوسَى : فَكَيْفَ بِهَذِهِ الآيَةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَقَالَ عَبْدُ اللهِ : لَو رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الآيَةِ ، لأوْشَكَ ، إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ ، أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ . فَقَالَ أبو مُوسَى لِعَبْدِ اللهِ : أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ . ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ . فَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ ، وَوَجْهَهُ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ : أَوَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ ؟
وَفِي رِوَايَةٍ : وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ إلى الأَرْضِ ، فَنَفَضَ يَدَيْهِ ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.
368 - [ 290 ] وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ؛ أَنَّ رَجُلاً أَتَى عُمَرَ فَقَالَ : إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ مَاءً . فَقَالَ : لا تُصَلِّ . فَقَالَ عَمَّارٌ : أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا ، ولَمْ نَجِدْ مَاءً ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ وَصَلَّيْتُ . فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - : إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الأَرْضَ ، ثُمَّ تَنْفُخَ ، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ ، فَقَالَ عُمَرُ : اتَّقِ اللهَ ، يَا عَمَّارُ ! قَالَ : إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ .
فَقَالَ عُمَرُ : نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ .
وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ : قَالَ عَمَّارٌ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! إِنْ شِئْتَ ! لِمَا جَعَلَ اللهُ عَلَيَّ مِنْ حَقِّكَ ، لا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا.


[1/613] ( 39 ) ومن باب تيمم الجنب
( قوله : " لو أن رجلاً أجنب " ) قال الفراء : يقال : أجنب الرجل وجنب ، من الجنابة ، قال غيره : يقال : جُنُب ؛ للواحد والاثنين والجمع ، والمذكر والمؤنث . قال ابن فارس : وقد قيل في الجمع : أجناب . والجنابة : البعد ، ومنه قوله :
فلا تَحْرِمَنَّي نائِلاً عن جنابةٍ
... ... ... ... ...
أي : بعدٍ . قال الأزهري : وسمي : جنبًا ؛ لأنه نُهي أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر فيجتنبها . وقال الشافعي : إنما سمي جنبًا من المخالطة . ومن كلام العرب : أجنب الرجُل : إذا خالط امرأته . وهذا ضد المعنى الأول ، كأنه من القُرب منها . وكان مذهب عبد الله بن مسعود : أن الجنب لا يتيمم ؛ لأنه ليس داخلاً في عموم فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً ؛ ألا تراه قد سلم ذلك لأبي موسى ونحا إلى منع الذريعة ، وكأنه كان يعتقد تخصيص العموم بالذَّريعة ؛ ولا بُعد في القول به على ضعفه .
وأما عمر بن الخطاب فكان يرى أن الآية لا تتناول الجنب رأسًا ؛ فمنعه التيمم لذلك ، وتوقف في حديث عمار لكونه لم يذكره حين ذكّره به . وقد [1/614] صح عن عمر وابن مسعود : أنهما رجعا إلى أن الجنب يتيمم ، وهو الصحيح ؛ لأن الآية بعمومها متناولة له ، ولحديث عمار ، وحديث عمران بن حصين حيث قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي قال له : أصابتني جنابة ولا ماء ، فقال له : " عليك بالصعيد فإنه يكفيك " ، وهذا نصٌّ رافع للخلاف .
واختلف في الصعيد ما هو ؟ فروي عن الخليل : أنه وجه الأرض ؛ ويدل عليه قول ذي الرُّمة :
كأنَّه بالضُّحى تَرْمِي الصَّعِيدَ به
دَبَّابةٌ في عِظامِ الرَّأسِ خُرْطُومُ
فعلى هذا فيجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض باقيًا على أصل أرضيته ، وهو مذهب مالك ، وأبي حنيفة ، وقد صار عليٌّ - رضي الله عنه - إلى أنه التراب خاصة ، وهو قول الشافعي وأبي يوسف . وقَولةٌ شاذَّةٌ عن مالك . وقد استدل أصحاب هذا القول بقوله - عليه الصلاة والسلام - : " وجعلت تربتها لنا طهورًا " ، ولا حجة فيه ؛ لأن التراب جزء مما يتناوله وجه الأرض ، فهو مساو لجميع أجزائها ، وإنما ذكر التراب لأنه الأكثر ، وصار هذا مثل قوله : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ والله أعلم .
و ( قوله : " لأوشك " ) أي : لأسرع ، وقد تقدم . و ( قوله - عليه الصلاة والسلام - : " إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا " ) خاطبه بإنما ليحصر له القدر [1/615] الواجب ، وهو أن يضرب الأرض بيديه ، ثم يمسح وجهه ، ثم يضرب ضربة أخرى فيمسح كفيه . ولم يُختلف أن الوجه كله لا بد من إيعابه .
واختلفوا : هل الواجب أن يبلغ به إلى المرفقين أم يقتصر على الكوعين ؟ إنما يستحب الإيصال إلى المرفقين ، فإن اقتصر على الكوعين أجزأه ، وهذا مذهب ابن القاسم .
ومسحه الشمال على اليمين مراعاة لحال اليمين حتى تكون هي المبدوء بها . وكونه في هذه الرواية أخر الوجه في الذكر ، وكونه في الثانية قدّمَه ؛ يدل على عدم ترتيب الواو . ولم ينكر عمر على عمار إنكار قاطع برد الخبر ، ولا لأن عمارًا غير ثقة ، بل منزلة عمار وعظم شأنه ومكانته كل ذلك معلومٌ ، وإنما كان ذلك من عمر ؛ لأنه لما نسبه إليه ولم يذكرهُ توقف عمر ، ولذلك قال له : " نوليك من ذلك ما توليت " أي : ما تحملت عهدته مما ذكرتَهُ ، حدَّث به إن شئت . وقول عمار : " إن شئت لم أحدث " ، ليس لضعف الحديث ، ولا لأن عمارًا شك فيما رأى وروى ، وإنما ذلك للزوم الطاعة ، وقد صرَّحَ بهِ .
و ( قوله : " فنفض يديه فنفخ فيهما " ) حجّةٌ لمن أجاز نفض اليدين من [1/616] التراب ، وهو قول مالك والشافعي ؛ دون استقصاء لما فيهما ، لكن لخشية ما يضر به من ذلك ، من تلويث وجهه أو شيء يؤذيه .