الحديث الثاني .
764 - حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن عروة بن الزبير ، عن مروان بن الحكم ، قالَ : قالَ لي زيد بن ثابت : مَا لكَ تقرأ في المغرب بقصار المفصل ، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بطولى الطوليين ؟


طولى : وزنه فعلى ، والطوليين : تثنية الطولى .
ويقال : إنه هاهنا أراد الأعراف ؛ فإنها أطول من صاحبتها الأنعام ، ذكره الخطابي .
[4/427] وخرج أبو داود هذا الحديث من طريق ابن جريج أيضاً ، وعنده : ( بقصار المفصل ) ، وزاد فيهِ : قالَ : قلت : وما طولى الطوليين ؟ قالَ : الأعراف ، قالَ : فسألت ابن أبي مليكة ، فقالَ لي من قبل نفسه : المائدة والأعراف .
وخرجه النسائي - أيضاً - ، وعنده : بقصار السور ، وعنده : بأطول الطوليين ، قلت : يا أبا عبد الله ، ما أطول الطوليين ؟ قالَ : الأعراف .
وهذا يدل على أن المسئول والمخبر هوَ عروة .
ثم خرجه من طريق شعيب بن أبي حمزة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة المغرب الأعراف ، فرقها في ركعتين .
وخرجه - أيضاً - من طريق أبي الأسود أنه سمع عروة بن الزبير يحدث ، عن زيد بن ثابت ، قالَ لمروان : أتقرأ في المغرب بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ؟ قالَ : نعم ، قالَ : فمحلوفة ، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ فيها بأطول الطوليين المص .
فهذه ثلاثة أنواع من الاختلاف في إسناده :
أحدها : عروة ، عن مروان ، وهي رواية ابن أبي مليكة عنه .
وهذا أصح الروايات عندَ البخاري ، وكذلك خرجه في ( صحيحه ) ، ونقل عنه ذَلِكَ الترمذي في ( علله ) صريحاً ، ووافقه الدارقطني في ( العلل ) .
[4/428] والثاني : عروة ، عن عائشة ، وهي رواية شعيب بن أبي حمزة ، عن هشام ، عن أبيه .
وقد قال أبو حاتم الرازي : إنه خطأ .
والثالث : عروة ، عن زيد ، من غير واسطة ، وهي رواية أبي الأسود ، عن عروة .
وكذلك رواه جماعة عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن زيد ، منهم : يحيى القطان والليث بن سعد وحماد بن سلمة وغيرهم .
وصحح ذلك ابن حبان ، ورجحه الدارقطني في جزء له مفرد علقه على أحاديث عللها من " صحيح البخاري " .
وقد اختلف في إسناده عن هشام بن عروة .
فقيل : عنه ، عن أبيه ، عن عائشة .
وقيل : عنه ، عن أبيه ، عن زيد بن ثابت .
وقيل : عنه ، عن أبيه ، عن أبي أيوب وزيد معا .
وقيل : عنه ، عن أبيه ، عن أبي أيوب - أو زيد - بالشك في ذلك .
[4/429] وهو الصحيح عن هشام ، قاله البخاري ، حكاه الترمذي عنه في ( علله ) ، وقاله أيضاً الدارقطني في ( علله ) وقالا : كانَ هشام يشك في إسناده .
وقال ابن أبي الزناد : عن هشام ، عن أبيه ، عن مروان ، عن زيد .
خرجه الإمام أحمد من طريقه .
وهذا موافق لقول ابن أبي مليكة ، عن عروة .
وروي عن هشام ، عن أبيه ، مرسلاً .
وفي رواية عن هشام : سورة الأنفال ، بدل الأعراف .
ولعل مسلماً أعرض عن تخريج هذا الحديث لاضطراب إسناده ؛ ولأن الصحيح عنده إدخال ( مروان ) في إسناده ، وهو لا يخرج لهُ استقلالاً ، ولا يحتج بروايته . والله سبحانه وتعالى أعلم
.
وسيأتي حديث جبير بن مطعم في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في المغرب بالطور ، في الباب الذي يلي هذا ، إن شاء الله سبحانه وتعالى .
وقد اختلف في القراءة في المغرب :
فذهبت طائفة من السلف إلى تطويلها ، وقد سبق عن زيد بن ثابت أنه أنكر على مروان القراءة فيها بقصار المفصل .
وروي عن ابن عمر ، أنه كانَ يقرأ فيها بـ يس .
وروي عنه مرفوعاً ، والموقوف أصح ، ذكره الدارقطني في ( علله ) .
[4/430] وخرج العقيلي المرفوع ، وقال : هوَ غير محفوظ
.
وخرج الدارقطني في ( علله ) أيضاً من رواية عامر بن مدرك ، ثنا سفيان ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن عائشة ، قالت : كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ركعتين ، إلا المغرب ؛ فإنها كانت وتراً ، فلما رجع إلى المدينة صلى مع كل ركعتين ركعتين ، إلا المغرب والفجر ؛ لأنه كانَ يطيل فيهما القراءة .
وهذا لفظ غريب
.
وقد سبق في أول ( المواقيت ) بلفظ آخر : إلا المغرب ؛ لأنها وتر ، والفجر ؛ لأنه كانَ يطيل فيها القراءة .
وهذا اللفظ أصح
.
وذهب أكثر العلماء إلى استحباب تقصير الصلاة في المغرب .
روى مالك في ( الموطأ ) بإسناده عن الصنابحي ، أنه قدم المدينة في خلافة أبي بكر الصديق ، فصلى وراء أبي بكر الصديق المغرب ، فقرأ أبو بكر في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة من قصار المفصل ، ثم قام في الركعة الثالثة ، فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد أن تمس ثيابه ، فسمعته قرأ بأم القرآن ، وبهذه الآية رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا الآية .
وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري ، أن يقرأ في صلاة المغرب بقصار المفصل .
ذكره الترمذي تعليقاً ، وخرجه وكيع .
[4/431] وروى وكيع في ( كتابه ) عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، قالَ : سمعت عمر يقرأ في المغرب في الركعة الأولى بالتين والزيتون ، وفي الثانية أَلَمْ يَجْعَلْ و لإِيلافِ قُرَيْشٍ
وعن الربيع ، عن الحسن ، أنه كانَ يقرأ في المغرب إِذَا زُلْزِلَتِ ، وَالْعَادِيَاتِ لا يدعهما ، قالَ الربيع : وحدثني الثقة عن ابن عمر ، أنه كانَ لا يدعهما في المغرب .
وخرج أبو داود في ( سننه ) عن ابن مسعود ، أنه قرأ في المغرب : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
وعن هشام بن عروة ، أن أباه كانَ يقرأ في المغرب بنحو ما تقرأون وَالْعَادِيَاتِ ونحوها من السور .
وهذا مما يعلل به حديثه عن مروان ، عن زيد بن ثابت ، كما تقدم .
وكان النخعي يقرأ في المغرب أَلَمْ يَجْعَلْ أو لإِيلافِ قُرَيْشٍ
وذكر الترمذي : أن العمل عندَ أهل العلم على القراءة في المغرب بقصار المفصل ، وهذا يشعر بحكاية الإجماع عليهِ .
وممن استحب ذَلِكَ ابن المبارك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق ، وقال : كانوا يستحبون ذَلِكَ .
وقد دل على استحباب ذَلِكَ ما روى الضحاك بن عثمان ، عن بكير بن [4/432] الأشج ، عن سليمان بن يسار ، عن أبي هريرة ، قالَ : ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من فلان .
قالَ سليمان : يطيل الركعتين الأوليين من الظهر ، ويخفف العصر ، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل ، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل ، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل .
خرجه الإمام أحمد والنسائي .
وخرج ابن ماجه بعضه .
وفي رواية للنسائي : ويقرأ في العشاء بالشمس وضحاها وأشباهها ، ويقرأ في الصبح سورتين طويلتين .
وفي رواية للإمام أحمد : قالَ الضحاك : وحدثني من سمع أنس بن مالك يقول : ما رأيت أحداً أشبه صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى ، قالَ الضحاك : فصليت خلف عمر بن عبد العزيز ، فكان يصنع مثلما قالَ سليمان بن يسار .
وخرج ابن سعد وغيره حديث أنس ، عن ابن أبي فديك ، عن الضحاك ، قالَ : حدثني يحيى بن سعيد - أو شريك بن أبي نمر ، لا ندري أيهما حدثه - عن أنس ، فذكر الحديث .
والفتى : هوَ عمر بن عبد العزيز ، كذا قالَ ابن أبي فديك ، عن الضحاك بالشك .
[4/433] ورواه الواقدي ، عن الضحاك ، عن شريك ، من غير شك .
فهذا حديث صحيح عن أبي هريرة وأنس ، ويدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يقرأ في المغرب بقصار المفصل
.
ويشهد لهُ أيضاً ما خرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قالَ : ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤم بها الناس في الصلاة المكتوبة .
فهذا يدل على إكثار النبي صلى الله عليه وسلم من قراءة سور المفصل في الصلوات الجهريات الثلاث : قصارها ، وطوالها ، ومتوسطها ، فإن كانَ يقرأ في الصبح بطوال المفصل ، وفي المغرب بقصاره ، وفي العشاء بأوساطه ؛ فهوَ موافق لحديث أبي هريرة وأنس ، وهذا هوَ الظاهر ، وإن كان يقرأ بقصار سور المفصل في العشاء أو في الصبح ، فقراءتها في المغرب أولى .
وخرج النسائي من رواية سيفان ، عن محارب بن دثار ، عن جابر ، قالَ : مر رجل من الأنصار بناضحين على معاذ ، وهو يصلي المغرب ، فافتتح سورة البقرة ، فصلى الرجل ، ثم ذهب ، فبلغ ذَلِكَ النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالَ : ( أفتان يا معاذ ؟ أفتان يا معاذ ؟ ألا قرأت سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ونحوهما ) .
ورواه مسعر ، عن محارب بن دثار ، قالَ في حديثه : ( إنما يكفيك أن تقرأ في المغرب بالشمس وضحاها وذواتها ) .
ورواه أبو الأحوص ، عن سعيد بن مسروق ، عن محارب ، وقال في [4/434] حديثه : ( ألا يقرأ أحدكم في المغرب سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا .
وخرج ابن ماجه : حدثنا أحمد بن بديل ، ثنا حفص بن غياث ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قالَ : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
ابن بديل ، قالَ النسائي : ليس به بأس ، وقال ابن أبي حاتم : محله الصدق ، وقال ابن عدي : حدث بأحاديث أنكرت عليهِ ، ويكتب حديثه مع ضعفه . وقد أنكر عليهِ هذا الحديث بخصوصه أبو زرعة الرازي وغيره ، وقالَ الدارقطني : لم يتابع عليهِ
.
قلت : وقد تابعه عبد الله بن كرز على إسناده ، فرواه عن نافع ، عن ابن عمر ، وخالفه في متنه ، فقالَ : إن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يقرأ في المغرب بالمعوذتين .
ولم يتابع عليهِ ، قالَ الدارقطني : ليس بمحفوظ ، وابن كرز ضعيف
.
وروى سعيد بن سماك بن حرب : ثنا أبي ، ولا أعلمه إلا عن جابر بن سمرة ، قالَ : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وكان يقرأ في صلاة العشاء الآخرة ليلة الجمعة : سورة الجمعة والمنافقين . خرجه الحاكم والبيهقي .
وروي عن أبي عثمان الصابوني أنه صححه ، وكان يعمل به حضراً وسفراً .
[4/435] وعن ابن حبان أنه ذكر في ( ثقاته ) : أن المحفوظ عن سماك مرسلا .
وسعيد بن سماك بن حرب ، قالَ أبو حاتم الرازي : متروك الحديث
.
قالَ علي بن سعيد : قلت لأحمد : ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة المغرب بالطور والأعراف والمرسلات ؟ قالَ : قد روي عنه ذَلِكَ ، حديث معاذ .
وأشار أبو داود إلى نسخ القراءة بالأعراف ، واستدل لهُ بعمل عروة بن الزبير بخلافه ، وهو راويه .
وقد قالَ طائفة من السلف : إذا اختلفت الأحاديث فانظروا ما كانَ عليهِ أبو بكر وعمر .
يعني : أن ما عملا به فهوَ الذي استقر عليهِ أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد تقدم عنهما القراءة في المغرب بقصار المفصل ، وعضد ذَلِكَ - أيضاً - حديث عثمان بن أبي العاص ، أن النبي صلى الله عليه وسلم عهد إليه أن يخفف ، ووقت لهُ أن يقرأ بـ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ وأشباهها من السور .
وعثمان بن أبي العاص قدم مع وفد ثقيف بعد فتح مكة ، وذلك في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم .
فإن قرأ في المغرب بهذه السور الطوال ففي كراهته قولان :
أحدهما : يكره ، وهو قول مالك .
والثاني : لا يكره ، بل يستحب ، وهو قول الشافعي ؛ لصحة الحديث بذلك ، حكى ذَلِكَ الترمذي في ( جامعه ) ، وكذلك نص أحمد على أنه لا بأس به .
[4/436] ولكن إن كانَ ذَلِكَ يشق على المأمومين ، فإنه يكره أن يشق عليهم ، كما سبق ذكره .
وهذا على قول من يقول بامتداد وقت المغرب إلى مغيب الشفق ظاهر ، فأما على قول من يقول : إن وقتها وقت واحد مضيق فمشكل .
وكذلك كرهه مالك .
وأما أصحاب الشافعي ، فاختلفوا فيمن دخل فيها في أول وقتها : هل لهُ أن يطيلها ويمدها إلى مغيب الشفق ، أم لا ؟ على وجهين .
ورجح كثير منهم جوازه ؛ لحديث زيد بن ثابت ، فأجازوا ذَلِكَ في الاستدامة دون الابتداء ، والله أعلم .